تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
وقال العلامة الحلي المتكلم : كل موجود سوى اللَّه فهو ممكن مستند إليه ، فيكون عالما به ، سواء أكان جزئيا أم كليا ، وسواء أكان موجودا قائما بذاته أم عرضا قائما بغيره ، وسواء أكان في الأعيان أم في الأذهان ، لأن وجود الصورة في الذهن من الممكنات أيضا ، فيستند إليه ، وسواء أكانت الصورة الذهنية صورة أمر وجودي ، أم عدمي ممكن أم ممتنع ، فلا يعزب عن علمه شيء من الممكنات ولا من الممتنعات . « وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ » . الوفاة والموت بمعنى واحد في مفهوم العرف ، وهو عدم الحياة ، وتستعمل كل من الكلمتين في النوم مجازا ، لأن الحواس تتعطل عن أعمالها بسببه ، ومنه قوله تعالى : اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى - 42 الزمر ، أي ان اللَّه يقطع صلة الأرواح بالأبدان ظاهرا وواقعا حين الموت ، ويمسكها عنده ، ويقطع هذه الصلة ظاهرا لا واقعا حين النوم ، وعند اليقظة ترجع الصلة كما كانت وتبقى إلى الوقت المضروب للموت الحقيقي . . فالنائم ميت وحي في آن واحد ، والمراد بالوفاة في الآية الموت المجازي ، قال الإمام علي ( ع ) : تخرج الروح عند النوم ، ويبقى شعاعها في الجسد ، وبذلك يرى الرؤيا فإذا انتبه من النوم عادت الروح بأسرع من لحظة . « ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ » . يريد ما كسبت جوارحكم من أعمال « ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ » . ضمير فيه يعود إلى النهار ، ومعنى يبعثكم يوقظكم من النوم . وقال المفسرون : إن هذا الكلام دليل على صحة البعث والقيامة ، لأن النوم يشبه الموت ، واليقظة تشبه الحياة بعده . « ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » من خير وشر في ليلكم ونهاركم . والخلاصة ان كل إنسان يموت بانتهاء أجله المكتوب ، ثم يبعثه اللَّه بعد الموت ، تماما كما يوقظه من النوم ، ثم يجزي يوم البعث كل نفس بما كسبت ، وهم لا يظلمون . وإذا قال قائل : لما ذا خصت الآية النوم بالليل ، والعمل بالنهار ، مع أن الإنسان قد ينام نهارا ، ويعمل ليلا ؟ قلنا له : إن الآية وردت مورد الغالب .