تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
ومن الطريف قول بعضهم - كما في تفسير الرازي - ان من الصالحين إشارة إلى « ان ما من نبي إلا وقد عصى ، أو همّ بمعصية غير يحيى فلم يعص ، ولم يهم » . وبالإضافة إلى أن في هذا القول مسا بمقام محمد ( ص ) فإنه يتنافى وحكم العقل ، لأن النبي انما أرسل لدفع المعاصي ، فإن عصى احتاج إلى نبي . . بداهة ان القذارة لا تزال بمثلها . . تعالى اللَّه وأنبياؤه عما يقول الجاهلون . ( قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ) . قالوا كان زكريا ، حين قال هذا ، قد أتم 120 سنة من عمره ، وامرأته 98 . . وهنا سؤال يفرض نفسه ، وهو ان زكريا سأل ربه أن يهبه ذرية طيبة ، ومعنى هذا انه سأل شيئا ممكنا في اعتقاده ، فكيف عاد واستبعد ذلك عندما بشرته الملائكة ؟ الجواب : لم يكن قوله هذا شكا واستبعادا ، وانما هو استعظام لقدرة اللَّه التي تخطت السنن والعادات ، تماما كما تقول لمن يهب الكثير الثمين من ماله : كيف فعلت ما لم يفعله أحد سواك ؟ وأيضا يتضمن هذا الاستعظام والتعجب الشكر للَّه على هذه النعمة الجليلة التي لم تكن في الحسبان . . وأيضا نستفيد من أصل المعجزة ان على الإنسان أن لا يقيس مشيئة اللَّه بما يراه هو ممكنا أو مستحيلا . ( قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ) . لما كان علوق الرحم بالنطفة أمرا خفيا أحب زكريا أن يعلم به حين حدوثه ، ليتلقاه بالشكر منذ اللحظة الأولى ، ولهذا سأل ربه أن يجعل له علامة يعرف بها وقت العلوق ، فقال له تعالى : ( آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ والإِبْكارِ ) . أي ان علامة حدوث العلوق أن يحتبس لسانك ، ويعجز عن النطق مع الناس ثلاثة أيام ، فإذا أردت الكلام لم يتحرك ، وانما تتفاهم معهم بالإشارة ، شأنك في ذلك شأن الأخرس ، ولكن لسانك ينطلق كما تريد حين تتجه إلى اللَّه في عبادتك ومناجاتك ، ولذا قال تعالى : ( واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً ) . وهذه معجزة ثانية تضاف إلى حمل العاقر .