تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
ومنذرين » يذكرونهم ويبصرونهم لئلا يكون لهم على اللَّه حجة ؟ وهل يقبل هذا المبدأ التخصيص بشعب ، دون شعب ، وبجنس ، دون جنس ؟ . الجواب : ان هذا المبدأ الذي يقول : ان اللَّه لا يترك الناس سدى ، وانه لا بد أن يلقي الحجة عليهم قبل الحساب والعقاب هو مبدأ عام لا يقبل التخصيص بأرض شرقية ، ولا غربية ، ولا بجنس أبيض أو أصفر أو أسود . . ولكن الحجة لا تنحصر بوجود النبي بذاته في كل بلد ، وفي كل جيل ، بل تكون به ، أو بكتاب منزل ، أو بشريعة إلهية يقوم عليها نواب عن النبي ، حتى إذا توفاه اللَّه بقيت الحجة من بعده قائمة بين الناس ، قال أمير المؤمنين ( ع ) في الخطبة الأولى من نهج البلاغة : « لم يخل سبحانه خلقه من نبي مرسل ، أو كتاب منزل ، أو حجة لازمة ، أو محجة قائمة » . والحجة النائب عن النبي ، والمحجة الشريعة التي أتى بها من عند اللَّه ، فكل واحد من هذه الأربعة منفردا أو منضما إلى نظيره تقوم به الحجة للَّه على الناس . وبهذا نجد تفسير الآية 36 من سورة النحل : « ولَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهً واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ » . والآية 35 من سورة فاطر : « وإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ » . والآية 41 من النساء : « فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً » . فالمراد بالرسول في الآية الأولى ، وبالنذير في الثانية ، وبالشهيد في الثالثة - واحد من الأربعة : الرسول بشخصه أو نائبه أو الكتاب المنزل أو الشريعة القائمة ، ومعلوم ان الثلاثة الأخيرة تنتهي إلى النبي ، ولهذا صح اسناد الشهادة وما إليها إلى النبي . وهنا سؤال يفرض نفسه ، وهو : لما ذا لم تذكر العقل مع ما ذكرت من الحجج ، مع أن اللَّه يحتج به كما يحتج بالنبي ؟ . الجواب : ان العقل حجة ما في ذلك ريب ، ولكنه حجة مستقلة في معرفة وجود اللَّه ، أما فيما عداها كمعرفة اليوم الآخر ، وحلال اللَّه وحرامه فإنه يحتاج إلى موقظ ومنبه يرشده إليها ، ويرسم له المنهج الصحيح لإدراكها ، فوظيفة العقل في هذا الميدان الذي نحن بصدده هي أن يفهم ما يتلقاه عن الرسول من موجبات الإيمان ، ودلائل الهدى إلى خير الدنيا والآخرة ، ومتى فهم عن الرسول أقر وأذعن من غير تردد .