تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
المعنى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ولا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ) قد يؤمن الإنسان بدين من الأديان ، أو بمبدأ من المبادئ ، ويتعصب له ، ويناضل من أجله أهل الأديان والمبادئ الأخرى ، ثم يدرس ويبحث ، فيتبين له مواقع الخطأ فيه ، فينفصل عنه ، وينضم إلى صفوف الصالحين الذين كانوا بالأمس من ألد أعدائه . . وعلى هؤلاء أن يقبلوه ويرحبوا به ، وليس من حق أي انسان أن يعيب وينكر عليه هذا العدول بعد ان سلك الطريق الصحيح الذي ظهر له ، بل يجب أن يمدح ويكرم ، لأن الرجوع عن الخطأ فضيلة ، والإصرار عليه رذيلة . هذا إذا ثبت ودام على إيمانه الجديد ، أما إذا عدل ، وأعاد سيرته الأولى ، ثم عدل ، وأعاد . . وهكذا يفعل مرات وكرات ، أما هذا فيجب نبذه وطرده ، بل يجب أن يعاقب بأقسى العقوبات وأشدها . . وهذا ما التزمت به أهل الأديان ، وأرباب المذاهب السياسية قديما وحديثا ، لأن تقلبه هذا ان دل على شيء فإنما يدل على أنه ساخر ماكر ، ومفتر كذاب ، يلج في الفساد والغواية ، ويزداد من الإثم والضلالة كلما دخل وخرج . . وهذا وأمثاله هم المعنيون بقوله تعالى : ( آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً ) بهذا التقلب والتلاعب ( لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ) ما داموا متزلزلين يتقلبون بين الكفر والايمان ( ولا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا ) لأنهم أضاعوا السبيل بسوء اختيارهم بعد ان عرفوه وسلكوه . والخلاصة ان المؤمن هو الذي يثبت على إيمانه مهما تقلبت الظروف ، واختلفت الأحوال ، أما الذي يرتد مرة ومرة فهو أسوأ حالا ممن ثبت على الكفر والإلحاد . ( بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) . قال الرازي : استعمل سبحانه البشارة بالعذاب للتهكم ، تماما كما تقول العرب : تحيتك الضرب ، وعتابك السيف . ويلاحظ بأن أسلوب القرآن أبعد ما يكون عن التهكم . . والأقرب ان المراد بالبشارة مجرد الاخبار ، وجاز استعمالها في المكروه لوجود القرينة ، كما أسلفنا