تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
والجاه أفضل من الذي يأمر بالمعروف ، ويفلسفه ، ويبين محاسنه وفوائده ولا يعمل به ، بل الحجة على هذا أقوى وأبلغ . . قال تعالى : « إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا - 30 الكهف » . ولم يقل : من أحسن قولا . . ان الأمر بالمعروف والدعوة إليه وسيلة ، والعمل هو الغاية ، ومن أمر به وأتمر كان ممن عناه اللَّه بقوله : « ومَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وعَمِلَ صالِحاً وقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ - 32 فصلت » . فالقول المعروف حسن ، ويزداد حسنا إذا اقترن بالعمل . . هذا ، إلى أن الأقوال وان ترتب على ظاهرها آثار الإسلام ، كالزواج والميراث ، ولكن لا يدل على الايمان الصحيح إلا الاعمال الصالحات ، قال الإمام علي ( ع ) : « فبالإيمان يستدل على الصالحات ، وبالصالحات يستدل على الايمان » . ( ومَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيراً ) . الشقاق العداوة ، وكل من يعصي اللَّه فهو عدو لرسول اللَّه ( ص ) . قال الإمام أمير المؤمنين ( ع ) : « ان ولي محمد من أطاع اللَّه ، وان بعدت لحمته ، وان عدو محمد من عصى اللَّه ، وان قربت لحمته » . ولكن المراد بعدو الرسول هنا كل من ظهر له الحق ، واقتنع به بينه وبين نفسه ، وقامت عليه الحجة كافية وافية ، مع ذلك أنكره عنادا وتعصبا لهوى في نفسه ، كمن يعرف ان الإسلام حق ، أو انه أهدى من دين قومه ، ومع ذلك يتعصب لدين آبائه حرصا على مصالحه الشخصية من مال أو جاه . وذكر المفسرون ان هذه الآية نزلت في بشير بن أبيرق الذي أسلم ، ثم ارتد ولحق بالمشركين ، والمعروف من عادة المفسرين انهم يتسامحون في أسباب النزول ، ويذكرون له أية حادثة تقترن بزمن نزول الآية إذا كانت تناسبها ، وهذه الآية تنطبق على ارتداد بشير ، وعلى كل من عاند الحق ( مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ) . ومعنى ( نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ) ان اللَّه سبحانه يكل كل انسان إلى ما انتصر به ، واعتمد عليه ، فمن اعتز بمال أو منصب أو صحة أو عشيرة تخلى اللَّه عنه ، وتركه إلى ما اعتز به .