تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
المعنى : ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) . بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة الذين يبيتون ما لا يرضى من القول ، ويجادلون عن الخائنين قال في هذه الآية : « لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ » فضمير نجواهم يعود على هؤلاء بدلالة ظاهر السياق ، ولكنه في المعنى يعم كل نجوى في شؤون الناس ، لأن السبب الموجب عام لا يختص بفرد ، دون فرد ، ولا بفئة دون فئة . . والصدقة بذل المال للبؤساء والمعوزين ، والإصلاح بين الناس يوفر عليهم الكثير من المتاعب ، ويدفع عنهم الكثير من المشاكل ، والمعروف ما يعترف العقل والشرع به ويريانه حسنا ، والمنكر ضده ، ويشمل العلم وجميع الأعمال الحسنة ، ومنها الصدقة ، وإصلاح ذات البين ، وخصهما اللَّه سبحانه بالذكر للتنبيه على أهميتهما . قال الرازي : « ان مجامع الخيرات مذكورة في هذه الآية » . . وأجمع منها قوله تعالى : « إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالْحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ » . وتسأل : ان الناس تتناجى في شؤون التجارة والصناعة والزراعة ، وما إليها من شؤون الحياة ، فهل هذا التناجي مما لا خير فيه ؟ . الجواب : ان هذا التناجي خير محض ما دام ضمن حدوده المشروعة ، ومنه ما هو واجب شرعا وعرفا وعقلا ، وهو كل ما لا تتم الحياة إلا به . . والآية بمعزل عن هذا النوع من التناجي ، وانما تعرضت للذين يتناجون ويتحدثون عن الناس ، كما هو شأن البطالين ، يملئون فراغهم بالقال والقيل ، والاشتغال بهذا طويل ، وهذا قصير . . وقد جاء لفظ ( كثير ) في الآية للدلالة على أن النجوى في شؤون الناس لا خير فيها إلا إذا عادت عليهم بالفائدة والنفع بجهة من الجهات . . أما التناجي في شؤون الحياة فلم تتعرض له الآية سلبا ولا إيجابا . ( ومَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) . الأمر بالمعروف خير ، ما في ذلك ريب ، ولكن العامل به لوجه اللَّه ، لا للكسب