تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
فليتبوأ مقعده من النار ، فإذا أتاكم الحديث عني فاعرضوه على كتاب اللَّه ، فما وافق كتاب اللَّه فخذوه ، وما خالف كتاب اللَّه فلا تأخذوا به » . ومن أجل هذا لا نأخذ بحديث قبول التوبة إذا بلغت الروح الحلقوم . . وغير بعيد ان حكام الجور في عهد الأمويين والعباسيين قد أوعزوا إلى بعض أذنابهم أن يضع لهم هذا الحديث ، ليحتجوا به أمام المحكومين بأن لهم مندوحة عند اللَّه ، مهما جاروا وأفسدوا . . فلقد كان لكل حاكم منهم حزمة من فقهاء السوء يبررون أعمالهم ، ويكيفون الدين طبقا لأهواء الشياطين . الأمر الثاني : ان قبول التوبة عند الموت إغراء بارتكاب الذنب والمعصية . . وهذا من عمل الشيطان ، لا من عمل الرحمن . الأمر الثالث : ان اللَّه سبحانه انما يقبل العمل من العامل إذا صدر منه عن إرادة وحرية كاملة . . وبديهة ان الإنسان انما يكون حرا بالنسبة إلى العمل إذا كان قادرا على فعله وتركه معا ، أما إذا قدر على الفعل دون الترك ، أو على الترك دون الفعل فإنه يكون مسيرا لا مخيرا ، ومن هذا الباب التوبة عند الموت ، إذ المفروض ان التائب في هذه الحال يعجز عن اقتراف الذنب والمعصية ، تماما كما يعجز عنها من يقول غدا : « رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ - 12 الدخان » . فان قبل اللَّه التوبة ممن يساق إلى القبر فينبغي ان يقبلها ممن يعذب في النار . . والفرق تحكم . ولذا سوّى اللَّه بينهما ، وعطف أحدهما على الآخر ، حيث قال : ( ولَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهُمْ كُفَّارٌ ) أي ان اللَّه سبحانه لا يقبل التوبة أيضا من الذين يموتون على الكفر ، ولا يندمون إلا حين يرون العذاب يوم القيامة ، بل لا يقبلها منهم ، وهم في طريقهم إلى هذا اليوم ، كما دلت الآية 100 من سورة المؤمنين : « حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » . أجل ، يجوز في نظر العقل أن يعفو جل وعز ويصفح عن المذنبين ، وان لم يتوبوا تفضلا منه وكرما . . ولكن هذا شيء ، وقبول التوبة عند الموت شيء آخر .
التفسير الكاشف — صفحة 274 | محمد جواد مغنية