تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨
إلى النار ؟ . فقام إليه علي بن أبي طالب ( ع ) وضربه فقطع رجله وسقط ، فانكشفت عورته ، فقال طلحة لعلي : أنشدك اللَّه والرحم يا ابن عم . . فتركه علي ( ع ) وكبر رسول اللَّه ( ص ) وقال لعلي أصحابه : ما منعك أن تجهز عليه ؟ . قال : ناشدني اللَّه والرحم . . هذا هو علي في خلقه يفيض قلبه بالحنان والرحمة ، حتى على أعدى أعدائه الذي برز له شاهرا السيف في وجهه مصمما على قتاله وقتله . ( حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ) . بعد أن ولى المشركون الدبر - وكانوا ثلاثة آلاف مشرك - امتلأ الوادي بما خلفوه من الغنائم ، وحين رآها الرماة ، وإخوانهم المسلمون ينتهبونها دونهم عصف بهم ريح الطمع ، واختلفوا فيما بينهم ، وقال بعضهم : ما بقاؤنا هنا ؟ وتجاهلوا وصية النبي وتشديده عليهم بالبقاء . فقال لهم أميرهم عبد اللَّه بن جبير : امكثوا ولا تخالفوا أمر الرسول ( ص ) . . ولكن أكثرهم غادروا مواقعهم هابطين إلى انتهاب الأسلاب والأموال ، وتركوا أميرهم عبد اللَّه في نفر دون العشرة ، والى هذا التنازع والعصيان يشير قوله تعالى : ( حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وعَصَيْتُمْ ) . أما قوله : ( مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ ) فيشير إلى انهزام المشركين وغنائمهم . وكان خالد بن الوليد يحارب النبي ( ص ) مع أبي سفيان ، وحين رأى مؤخرة المسلمين مكشوفة بعد أن أخلاها الرماة اغتنم الفرصة ، وانقض مع جماعة من المشركين على البقية الباقية من الرماة ، وقاتل هؤلاء بشجاعة وحرارة ، حتى استشهدوا جميعا ، وخلا ظهر المسلمين ، ورجع المشركون إلى الميدان ، وأحاطوا بالمسلمين من الخلف والأمام ، وأكثروا فيهم القتل والجراح ، ودارت الدائرة عليهم بعد ان كانت لهم . . وهذه هي النتيجة الحتمية للتنازع والتخاصم . ( مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا ) . وهم الرماة الذين تركوا مقاعدهم طمعا بالغنيمة . ( ومِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ) . وهم الذين ثبتوا مكانهم مع أميرهم عبد اللَّه بن جبير ، حتى نالوا الشهادة . ( ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ) . أي ردكم عن الكفار بعد أن نصركم عليهم بسبب تنازعكم وعصيانكم . ( لِيَبْتَلِيَكُمْ ) . أي عاملكم معاملة من يمتحنكم ليظهر ثباتكم على الايمان ، وصبركم على الشدائد ، ويميز بين المخلصين والمنافقين .
التفسير الكاشف — صفحة 178 | محمد جواد مغنية