تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
الْبَيِّناتُ ) . المراد بالرسول محمد ( ص ) ، وبالقوم أحبار اليهود والنصارى ، لأن اللَّه سبحانه وصف هؤلاء القوم بأنهم آمنوا به ، وشهدوا له بالرسالة ، ولكنهم بعد ان بعث ، وجاءهم بالبيّنات والدلائل على نبوته أنكروه ، ورفضوا متابعته ، وهذه الأوصاف تنطبق كل الانطباق على أحبار اليهود والنصارى ، لأنهم وجدوا اسم محمد مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، وانهم لذلك آمنوا به قبل مبعثه . . غير أنهم لما بعث ، وجاءهم بالبينات كفروا به بغيا وحسدا ، وحرّفوا كل آية تدل عليه تصريحا أو تلويحا . وتسأل : ان الظاهر من قوله تعالى : ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ) ان اللَّه سبحانه لا يريد رجوعهم إلى الإسلام لو حاولوا التوبة والإنابة . وينبغي على هذا أن لا يستحقوا ذما ولا عقابا ؟ . الجواب : ان اللَّه سبحانه يقيم للعبد الدلائل على الحق فإن آمن به كان من المهتدين ، وكانت هدايته من اللَّه ، لأنه أقام له الدلائل على الحق ، وأيضا تكون الهداية من العبد ، لأنه اهتدى باختياره ، فإن ارتد بعد الهداية مكابرة وعنادا فإن اللَّه يدعه وشأنه في هذه الحياة ، ولا ينصب له دلائل جديدة ، حيث لا مزيد ، وأيضا لا يجبره على الهداية ، لأنه لا تكليف مع الجبر والقهر . ( أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والْمَلائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) . أي انهم مستحقون لذلك ، ولعنة اللَّه عبارة عن غضبه وسخطه ، ولعنة الملائكة والناس عبارة عن الدعاء عليهم بأن يعذبهم اللَّه ، ويبعدهم عن رحمته . وجاء في نهج البلاغة ان عليا أمير المؤمنين ( ع ) كان يخطب على منبر الكوفة : فاعترضه الأشعث قائلا : يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك . فقال له أمير المؤمنين : ما يدريك ما عليّ مما لي ، عليك لعنة اللَّه ، ولعنة اللاعنين . قال الشيخ محمد عبده معلقا على ذلك : « كان الأشعث في أصحاب علي كعبد اللَّه بن أبيّ في أصحاب رسول اللَّه ( ص ) ، كل منهما رأس النفاق في زمنه » . ( خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ ) . ضمير فيها يعود إلى جهنم بقرينة قوله : ( لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ ) . ولا ينظرون معناه لا يمهلون ، بل يعجل لهم ما يستحقون من العذاب . ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهً غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . جاء في الحديث : « التائب من الذنب كمن لا ذنب