وأما من بخل بماله ، ولم يبذل منه شيئا في سبيل اللَّه وطريق الخير ، واستغنى عن اللَّه ورحمته بزعمه ، واكتفى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة ، وزهد في الأجر والثواب وفضل اللَّه ، وكذّب بالجزاء الأخروي ، فسنأخذ بيده ونسهله للحال الصعبة التي لا تنتج إلا شرا ، حتى تتعسر عليه أسباب الخير والصلاح ، ويضعف عن فعلها ، حتى يصل إلى النار ، ولا يفيده شيئا ماله الذي بخل به ، إذا وقع في جهنم ، وإذا جمع في الكلام بين الخير والشر ، جاء التيسير فيهما معا . والإعطاء والبخل المذكوران : إنما هما في المال . وقوله : * ( إِذا تَرَدَّى ) * معناه سقط في جهنم ، أي من حافاتها .
قال ابن عباس : آية * ( وأَمَّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنى ) * ( 8 ) نزلت في أمية بن خلف .
ثم أخبر اللَّه تعالى عما قام به من الهداية والبيان ، فقال : * ( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ) * ( 13 ) أي إن علينا أن نبين طريق الخير والشر ، وسبيل الهداية والضلال ، والحلال والحرام ، بوساطة الأنبياء وإنزال الكتب المشتملة على تشريع الأحكام ، وتبيان العقائد والعبادات ، والأخلاق ، وأنظمة العقود والمعاملات .
وإن لنا كل ما في الآخرة ، وكل ما في الدنيا ، نتصرف به كيف نشاء ، فمن أراد شيئا من الدارين ، فليطلبه منا ، نهب ونعطي ما نشاء لمن نشاء ، ولا يضرنا ترك الاهتداء بهدانا ، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤهم ، بل نفع ذلك وضرره عائدان عليكم أيها الناس .
ثم حذر اللَّه تعالى من سلوك طريق النار بقوله : * ( فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ) * ( 14 ) أي لقد خوّفتكم نارا عظيمة ، تتوهج وتلتهب وتوقد ، لا يحترق بنارها إلا الشقي الكافر الذي كذب بالحق الذي جاءت به الرسل ، ومنهم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي أنزل اللَّه عليه الفرقان ، والمراد بقوله : * ( لا يَصْلاها . . ) * أي لا يصلاها صلي خلود .
التفسير الوسيط — صفحة 2888
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٨٨٨