تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1995

مساهمون:

ص١٩٩٥

فساد اعتقاد المشركين بالأصنام

شيئان اثنان هما أخطر شيء على النفس الإنسانية وهما الهوى والجهل ، وكلاهما يؤديان للإسراف في القول والعمل ، والضلال في التّصرفات وسوء السلوك ، ويكون الإنسان في النهاية هو الضحية ، لأنه لم يتدارك تقصيره ، ولم يفعل شيئا لتبديد جهله ، ولم يروّض نفسه على التّرفع عن أهوائه ، وظلّ أسير التقليد الأعمى ، وفريسة الموروثات والأساطير الخرافية . هذا هو شأن عبدة الأصنام ، إنهم بدائيون جهلة وثنيون ، يسيرون في فلك الأهواء والشهوات ، ويسدّون على أنفسهم باب العلم والتّبصر ، ومحاولة تصحيح التصوّر والاعتقاد الفاسد ، وقد عمل القرآن الكريم على تبصيرهم وتوعيتهم ، وتحذيرهم ، وإنقاذهم من وهدة الضلال ، كما تصوّر هذه الآيات :

[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 28 إلى 29 ]

ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيه سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 28 ) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّه وما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 29 ) [ الرّوم : 30 / 28 - 29 ] . أخرج الطبراني عن ابن عباس قال - في بيان سبب نزول الآيتين - : كان يلبّي أهل الشّرك : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، فأنزل الله : * ( هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ ) * . أبان الله تعالى في الآيتين الكريمتين أمر الأصنام ، وأوضح فساد معتقد من يشركها بالله تعالى ، بضرب هذا المثل الحسّي الواقعي ، ومعناه : جعل الله لكم مثلا أيها المشركون تشهدونه من أنفسكم ، وهو : هل ترضون أن يكون لكم شركاء في أموالكم ، من عبيدكم يساوونكم في التصرّف فيها ، تخافون أن يقاسموكم الأموال ؟ إذا كنتم لا ترضون ذلك لأنفسكم ، فكيف تجعلون لله شركاء من عبيده ومخلوقاته ؟ !
التفسير الوسيط — صفحة 1995 | وهبة الزحيلي