رجوع إلى مخاطبة قريش ، في ردّهم الشريعة ، أي ليس ذلك كما تقولون ، وإنما أنتم قوم غلبتكم الدنيا بشهواتها ، فأنتم تحبّونها حبّا تتركون معه الآخرة والنظر في أمرها .
ولما ذكر اللَّه تعالى الآخرة ، أخبر بشيء من حال أهلها .
وجوه المؤمنين في الجنة حسنة بهية ، مشرقة مسرورة ، ترى ربّها عيانا ، ووجود الفجّار الكفّار في النار عابسة كالحة كئيبة ، توقن أن سينزل بها داهية عظيمة ، تكسر فقار الظهر . وجمهور العلماء على جواز رؤية اللَّه تعالى في الآخرة ، من غير تحديد بمكان معين .
جاء في الصحيحين عن جرير ، قال : نظر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى القمر ليلة البدر ، فقال : « إنكم ترون ربّكم ، كما ترون هذا القمر ، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ، ولا قبل غروبها ، فافعلوا » .
وللآية نظائر منها : وُجُوه يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ( 38 ) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ( 39 ) ووُجُوه يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ( 40 ) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ( 41 ) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ( 42 ) [ عبس : 80 / 38 - 42 ] .
لقد تكفّل اللَّه لنبيّه ثلاثة أمور لحفظ القرآن : وهي جمعه في صدره عليه الصّلاة والسّلام ، وتلاوته ، وتفسيره لبيان ما فيه من الحدود والحلال والحرام ، والوعد والوعيد ، والمشكلات .
وسبب إنكار المشركين البعث والجزاء : هو إيثار الدنيا والتّمتع بنعيمها ، وترك العمل والاستعداد للآخرة ، وهذا سوء اختيار ، لأن نعيم الدنيا زائل ، ونعيم الآخرة باق دائم .
ورؤية أهل الإيمان ربّهم في جنان الخلد ، وحرمان الفجّار ( الكفّار والعصاة ) منها أمر ثابت مقرر لا شك فيه بدلالات الكتاب والسّنة ، جاء في حديث مسلم عن صهيب : أن رؤية اللَّه عزّ وجلّ هي الزيادة في قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وزِيادَةٌ [ يونس : 10 / 26 ] .
التفسير الوسيط — صفحة 2783
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٧٨٣