أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر عن أنس قال : طلَّق رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم حفصة ، فأتت أهلها ، فأنزل اللَّه : * ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) *
الآية ، فقيل له : راجعها فإنها صوّامة قوّامة ، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة .
خوطب النّبي في مطلع السورة للتنبيه على سماع القول وتلقّي الأمر ، ثم خوطبت أمته ، أي إذا طلقتم أنت وأمتك ، فيا أيها الرسول والمؤمنون به ، إذا أردتم تطليق النساء ، وعزمتم عليه ، فطلَّقوهن ( أي يجب عليكم ) مستقبلات لعدتهن ، حتى لا تطول العدة عليهن ، ولئلا يلحقهن ضرر بتطويل العدة ، واضبطوا أيها الأزواج مدة العدة واحفظوها ، لتكون عدة كاملة ، وهي ثلاثة أقراء ( أطهار في رأي ، وحيضات في رأي آخر ) وضبط العدة واجب ، لترتب أحكام فيها ، من معرفة وقت الرجعة ، والإشهاد عليها ، وأداء نفقة المعتدة وسكناها ، والتزام بيوتهن ، واتّقوا اللَّه الرّب تعالى ، فلا تعصوه فيما أمركم ، ولا تلحقوا ضررا بالمرأة ، ولا تخرجوا المطلقات من بيوتهن ( بيت الزوجية ) في مدة العدة ، فلكل معتدة الحق في السكنى على حساب الزوج ، ما دامت في عدتها منه ، وليس للزوج أن يخرجها ، ولا يجوز لها الخروج من بيت الزوجية : بيت العدة لغير ضرورة ليلا أو نهارا ، إلا إذا ارتكبت فاحشة ظاهرة ثابتة كالزّنا .
وهذه الأحكام المتعلقة بالعدة : هي حدود اللَّه التي حدّها لهم ، لا يحلّ لهم تجاوزها إلى غيرها ، ومن يتجاوز هذه الحدود ، فقد ظلم نفسه وأضرّ غيره ، وأهلكها .
وعلَّة تحريم تعدي حدود اللَّه : أنك لا تدري أيها المطلق حين ألزمنا بإبقاء المطلقة في منزل الزوج مدة العدة ، أن يتراجع الزوجان ، ويندم كل منهما على ما حدث ، وهذا هو الغالب الواقع ، ويؤلف اللَّه بين قلوبهما ، ويراجع المطلق زوجته ، وتعود الحياة الزوجية كما كانت ، بل ربما أحسن مما مضى ، لأن الطلاق أمر صعب شاق على كل من الرجل والمرأة .
التفسير الوسيط — صفحة 2679
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٦٧٩