هذا بعد إثبات البعث اليسير على اللَّه : دعوة إلى اللَّه تعالى وتبليغ وتحذير ، فصدّقوا بالله ورسوله محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وبالقرآن الكتاب المنير الهادي إلى السعادة ، والمنقذ من الضلالة ، واللَّه مطَّلع على كل شيء ، عالم بكل ما تعملون أو تقولون ، ومجازيكم على ذلك خيرا أو شرّا بحسب عمل كل واحد .
اللَّه خبير ينبئكم بما عملتم يوم يجمعكم أو يحشركم في صعيد واحد للجزاء ، يوم القيامة ، ذلك اليوم الذي يظهر فيه الغبن أو النقص ، غبن الكافر بتركه الإيمان ، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان ، فتظهر فيه الخسارة الفادحة للفريقين . فإذا وقع الجزاء عيّر المؤمنون الكافرين ، لأنهم يجزون الجنة ، ويحصل الكفار في النار .
ومن يصدق بالله تصديقا صحيحا ، ويعمل العمل الصالح بأداء الفرائض والطاعات ، واجتناب المنهيات المنكرات ، يمح اللَّه سيئاته وذنوبه ، ويدخله الجنات التي تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار ، ماكثين فيها على الدوام ، وذلك الشرف والإنعام والتكريم : هو الظفر أو الفوز الذي لا يعادله شيء قبله ولا بعده .
وإنما قال : * ( خالِدِينَ ) * بلفظ الجمع ، بعد قوله : * ( ومَنْ يُؤْمِنْ ) * بلفظ الواحد ، لأن ذلك بحسب اللفظ ، وهذا بحسب المعنى .
وأما الذين كفروا بالله وكذبوا بآياته القرآنية الدّالة على البعث والقدرة الإلهية ، وأنكروا رسالة النّبي محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، فأولئك هم أصحاب النار ، خالدين ( ماكثين فيها على الدوام ) وبئس المرجع مرجعهم ، وساءت النار مثواهم .
وهذه موازنة بين الفريقين ، تدلّ على حال السعداء ، وحال الأشقياء ، لبيان حال التغابن في الآخرة ، لا في الدنيا .
ثم أوضح اللَّه تعالى أن كل ما يصيب الإنسان فهو بقضاء اللَّه وقدرته ، على وفق السّنة الكونية ، القائمة على العلم الإلهي ، والإرادة المدبّرة ، أي إن كل ما يصيب
التفسير الوسيط — صفحة 2673
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٦٧٣