تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 2660

مساهمون:

ص٢٦٦٠
تعالى : * ( فَانْتَشِرُوا ) * * ( وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه ) * أمر ومقتضى الأمر هنا الإباحة في طلب المعاش ، مثل قوله تعالى : وإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [ المائدة : 5 / 2 ] . ثم عاتب اللَّه المؤمنين حين تركوا النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وهو يخطب ، وخرجوا من المسجد ، للاشتغال بالتجارة والاستماع إلى طبولها المعبّرة عن الفرحة بقدوم التجارة من بلاد الشام أو غيرها ، وذلك في قوله تعالى : * ( وإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً . . ) * أي إذا رأى المصلَّون في الجامع الذين يستمعون إلى الخطبة قافلة التجارة القادمة من الشام ، أو رأوا لهوا كقرع الطبول وضجيج المزامير ، احتفالا بزواج وغيره ، خرجوا من المسجد ، وانصرفوا إلى الملاهي ومتع الدنيا ، وتركوك أيها النّبي قائما على المنبر تخطب فيهم ، لوعظهم وإرشادهم ، فقل لهم أيها الرسول : ما عند اللَّه من الثواب العظيم في الدار الآخرة خير من اللهو ومن التجارة التي هي هنا سبب الخروج ، واللَّه مصدر الرزق وخير الرازقين ، فمنه اطلبوا الرزق ، وإليه توسّلوا بعمل الطاعة ، فذلك من أسباب تحصيل الرزق وأعظم ما يجلبه ، واللَّه يرزق بسخاء من توكّل عليه ، وطلب الرزق في وقته ، وهو سبحانه كفيل برزق العباد ، ولن يحرم أحد رزقه أو ينقص منه شيء بسبب الصلاة . وقوله تعالى : * ( واللَّه خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) * مناسب لكل من التجارة واللهو الذي هو كالتبع للتجارة . نزلت هذه الآية بسبب أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كان قائما على المنبر ، يخطب يوم الجمعة ، فأقبلت عير ( إبل محملة بالتجارة ) من الشام ، تحمل ميرة ( طعاما للسفر ونحوه ) وصاحبها دحية بن خليفة الكلبي . قال مجاهد : وكان من عرفهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والمعازف والصياح من ورائها ، فدخلت العير بمثل ذلك ، فانفض أهل المسجد إلى رؤية ذلك وسماعه ، وتركوا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قائما على المنبر ، ولم يبق معه غير اثني عشر رجلا ، قال جابر بن عبد اللَّه رضي اللَّه عنه : أنا أحدهم .
التفسير الوسيط — صفحة 2660 | وهبة الزحيلي