التفسير الوسيط — صفحة 2555
إن هذه النعم المادية لا شك في أهميتها والحاجة إليها ، لكن أعظم نعمة وأول نعمة وأخلدها وأجدها هي نعمة القرآن ، كما افتتحت بها السورة ، وكما وصف هذا الكتاب في آية أخرى مثل : ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدىً ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [ النحل : 16 / 89 ] . ومثل : ونُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ( 82 ) [ الإسراء : 17 / 82 ] . نعم إلهية أخرى يذكّرنا الله تعالى بنعمه على الدوام ، ليدلنا على قدرته العظمى ووحدانيته الخالدة ، فهو سبحانه خلق الإنسان في أصله من الطين اليابس ، وخلق أصل الجن من النار ، وهو رب المشارق والمغارب ، وهو الذي حجز بين البحرين : العذب والملح ، وسيّر السفن في أعالي البحار ، وأعد كل ذلك لخير الإنسان ما دام في الحياة ، ثم يفنى كل شيء ، ويبقى الله ذو الجلال والعظمة والإكرام . وهذا ما نصت عليه الآيات الآتية : [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 14 إلى 28 ] خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ ( 1 ) ( 1 ) هو الطين اليابس الذي له صلصلة أي صوت . كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ ( 2 ) ( 2 ) لهب خالص لا دخان فيه . مِنْ نارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ ورَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ( 3 ) ( 3 ) أرسلهما . يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ ( 4 ) ( 4 ) حاجز بين الأشياء . لا يَبْغِيانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 21 ) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجانُ ( 22 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 23 ) ولَه الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ ( 5 ) ( 5 ) السفن الرافعات الشرع في البحر لتتحرك بالهواء كالجبال ونحوها من المرتفعات . فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ( 24 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 25 ) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) ويَبْقى وَجْه رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ والإِكْرامِ ( 27 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 28 ) [ الرحمن : 55 / 14 - 28 ] .