ثم ذكر الله تعالى ما في الأرض من نعم كثيرة في مقابل السماء ، فالله هو الذي وضع الأرض وبسطها لينتفع بها الناس ، وأرساها بالجبال الراسخات ليستقر الناس على وجهها .
ثم أوجد الله طرق المعايش في الأرض ، ففيها كل ما يتفكه به من أنواع الثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح ، وفيها أشجار النخيل ذات أوعية الطلع وأغطية النّور والزهر الذي يتحول بعدئذ إلى تمر ، وفيها جميع ما يقتات الإنسان من الحبوب كالحنطة والشعير والذرة ونحوها ، ذات العصف : وهو ورق الزرع الجاف ، ويتحول إلى التبن الذي هو رزق البهائم ، وفيها كل مشموم من النبات ذي الرائحة الجميلة ، وتنكير كلمة ( فاكهة ) وتعريف كلمة ( النخل والحب ) لأن الفاكهة تكون في بعض الأزمان وعند بعض الأشخاص ، أما ثمر النخيل والحب فهو قوت محتاج إليه في كل زمان ، متداول في كل وقت ، ويحتاج إليه جميع الأشخاص ، وكذلك الريحان الذي لا يفارق أغلب النباتات .
فبأي النعم المتقدمة يا معشر الجن والإنس تكذبان ؟ فهي من الرب المنعم الذي يتعهد عباده بالتربية والنماء ، فيكون هو الجدير بالحمد والشكر على كل حال .
والضمير قوله : * ( رَبِّكُما ) * للجن والإنس . وعرف ذلك إما من قوله : * ( لِلأَنامِ ) * أي الثّقلان ، وإما من تفسيرهما في قوله تعالى : * ( خَلَقَ الإِنْسانَ ) * و * ( وخَلَقَ الْجَانَّ ) * .
ويقال بعد ذلك : لا بشيء من نعمك ربنا نكذب ، فلك الحمد ولك الشكر .
وقد تكررت هذه الآية * ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) * ( 13 ) في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة ، بعد كل خصلة من النعم ، وجعلها الله فاصلة بين كل نعمتين ، لتأكيد التذكير بالنعمة ، وتقريرهم بها ، وللتنبيه على أهميتها ، والنعم تشمل دفع المكروه ، وتحصيل المقصود .
التفسير الوسيط — صفحة 2554
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٥٥٤