ولله تعالى ملك جميع ما في السماوات وما في الأرض ، وهو الغني عما سواه ، الحاكم في خلقه بالعدل ، وقد خلق الخلق بالحق ، وجعل عاقبة أمر الخلق أن يجزي كلا من المحسن والمسيء بعمله ، يجزي المسئ بإساءته التي عملها ، ويجزي المحسن بإحسانه ، فتكون لام ( ليجزي ) لام العاقبة أو الصيرورة .
قال ابن الجوزي في تفسيره : والآية : * ( ولِلَّه ما فِي السَّماواتِ ) * إخبار عن قدرته وسعة ملكه ، وهو كلام معترض بين الآية الأولى أي : * ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِه ) * وبين قوله : * ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا ) * لأنه إذا كان أعلم بالمسيء وبالمحسن ، جازى كلا بما يستحقه ، وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك .
صفات المحسنين وتوبيخ بعض المشركين
يدعي بعض الناس أنهم أتقياء بررة ، محسنون خيّرون ، ولكنهم في الواقع بعيدون عن الإحسان بالمعيار الشرعي الصحيح ، فإن المحسنين هم الذين أحسنوا أعمالهم واجتنبوا الكبائر والفواحش ، فلا يدعي إنسان ما ليس فيه أو يزكي نفسه بما ليس فيها . وفي مقابل هؤلاء المقصرين كان بعض المشركين كالوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل السهمي ، وأبي جهل بن هشام في غاية الجفاء . والبعد عن معايير الشرع والخلق القويم ، وهذا ما حكته الآيات الآتية :
[ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 32 إلى 41 ]
الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإِثْمِ ( 1 ) والْفَواحِشَ ( 2 ) إِلَّا اللَّمَمَ ( 3 ) إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ ( 4 ) فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ
هامش
( 1 ) هي كبائر الذنوب : وهي كل ذنب توعد اللَّه صاحبه بالعذاب الشديد أو ذم فاعله ذما كثيرا .
( 2 ) هي جرائم الحدود .
( 3 ) صغائر الذنوب التي لا إصرار فيها .
( 4 ) أولاد في البطون .