تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1952

مساهمون:

ص١٩٥٢
قومه ، وفتنتهم المؤمنين وغير ذلك ، وتثبيته على أذى الكفرة ، وفي ذلك عبرة ووعيد لكفار قريش بتشبيه أمرهم بأمر قوم نوح ، ولتأكيد ما جاء في مطلع السورة من جعل الابتلاء سنة الحياة . وهذه آيات توجز بيان مهمة نوح عليه السّلام أطول الأنبياء عمرا ، وأول رسول للبشرية ، وأبي البشر الثاني بعد آدم عليه السّلام ، قال الله تعالى :

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 14 إلى 15 ]

ولَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِه فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهُمْ ظالِمُونَ ( 14 ) فَأَنْجَيْناه وأَصْحابَ السَّفِينَةِ وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ ( 15 ) [ العنكبوت : 29 / 14 - 15 ] . إن إيراد قصص الأنبياء السابقين على هذا النحو من التأكيد والتشديد ، ذو مغزى عميق ودلالة واضحة ، فمغزاه العبرة والعظة ، ودلالته الإنذار والتحذير لكفار قريش وأمثالهم ، حين كذبوا رسولهم محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلم بأنهم سيتعرّضون لعقاب مماثل لمن تقدّمهم من الأقوام الغابرة الذين كذّبوا رسلهم ، فجاءهم عذاب الاستئصال . وتظهر صورة هذا التأكيد في العرض والبيان بقسم من الله تعالى على ما جاء في قصّة كل نبي . وهنا يقول الله تعالى ما معناه : وتالله لقد أرسلنا نوحا عليه السّلام إلى قومه الكافرين العصاة ، عبدة الأصنام ، فبقي فيهم يدعوهم إلى توحيد الله ألف سنة إلا خمسين عاما ، فلم يؤمن بدعوته إلا قليل من الناس كما قال تعالى : وما آمَنَ مَعَه إِلَّا قَلِيلٌ [ هود : 11 / 40 ] ، وكذبوه وآذوه ، وأفحشوا له القول ، فصبر نوح عليه السّلام على أذاهم ، ومضى زمان طويل ، وهو يدعوهم إلى أن يتركوا عبادة الأصنام ، ويؤمنوا بالله الواحد الأحد ، وبيوم القيامة والحساب ، فلم يفلح ، ولم يستجيبوا لدعوته ، وأمعنوا في الإعراض والاستكبار ، كما جاء في آية أخرى : قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْه مالُه ووَلَدُه إِلَّا خَساراً [ نوح : 71 / 21 ] .