ألا تنبه أيها السامع بأن الذين يجادلون في مجيء القيامة ، ويخاصمون في شأنها مخاصمة شك ، لفي بعد وجهل ومتاهة عن الحق .
وما أروع ما جاء بعد هذه الآيات لفتح باب الأمل والرجاء والرحمة : وهو بيان أن اللَّه كثير اللطف بعباده ، ومن ألطافه أنه يرزق جميع عباده ، بحسب مشيئته ، لا فرق بين برّ وفاجر ، ومن غير ضعف ، ولكن اللَّه عظيم القوة ، باهر القدرة ، يغلب كل شيء ، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء .
العمل للدنيا والآخرة
من أبرز خصائص الإسلام : أنه يحض أبناءه على العمل للدنيا والآخرة ، وهذا دليل الوسطية والعدل والوعي . وأنه قضى على الوثنية في شبه جزيرة العرب ، بسبب حملته الشديدة على المشركين ، ووعيدهم بالعذاب ، وإنذارهم به لولا تأخيره في الحكم الأزلي لإعطائهم الفرصة لإصلاح عقائدهم ، وأدى ذلك إلى الحكم بإيقاع العذاب بالظالمين ، ونجاة المؤمنين وتبشيرهم بجنان الخلد . وفي ثنايا الحملة على أهل الشرك رد قاطع على افترائهم بأن القرآن ليس من كلام اللَّه تعالى ، وترغيب لهم ولغيرهم بالمبادرة إلى التوبة والاستجابة لنداء الحق والإيمان ، حتى يظفروا بمزيد فضل اللَّه تعالى ، ويتعرض الكافرون للعذاب الأليم . قال اللَّه تعالى موضحا هذه الخصائص :
[ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 20 إلى 26 ]
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ ( 1 ) نَزِدْ لَه فِي حَرْثِه ومَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِه مِنْها وما لَه فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ( 20 ) أَمْ ( 2 ) لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِه اللَّه ولَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 21 ) تَرَى
هامش
( 1 ) المراد به هنا ثواب الآخرة ، وثمرات الأعمال الخالدة ، وهذا استعارة حيث شبه ثمرة العمل بالغلال الحاصلة من البذور ، وهو يتضمن تشبيه الأعمال بالبذور .
( 2 ) أم : منقطعة بمعنى بل وألف الاستفهام .