وقتا من الزمان عن بعض الكفار ، بحسب توعّد الله إياهم ، بادر إلى القول استهزاء وتكذيبا : ما يحبس هذا العذاب ؟ أي ما الذي يؤخّره عنّا ؟ فأجاب الله تعالى بأنه إذا حان الوقت وحلّ الأجل الذي حدّده الله لنزول العذاب الذي يستهزئون به ، لم يصرفه عن الكفار صارف ، وسيحيط بهم من كل جانب ، جزاء بما كانوا يستهزئون به من العذاب قبل وقوعه . وعلى الجميع أن يعلموا أن وعد الله بالخير كائن حتما ، ووعيده بالجزاء واقع قطعا ، كما قال تعالى : لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [ الرّعد : 13 / 38 ] ، وقال سبحانه : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ( 7 ) ما لَه مِنْ دافِعٍ ( 8 ) [ الطَّور : 52 / 7 - 8 ] .
ومن صفات الإنسان الذّميمة إلا من رحم ربّك : أنه إذا منحه الله نعمة من صحة ورزق وأمن وولد بارّ ، رحمة منه ، ثم سلبه تلك النّعمة ، وأبدله بها نقمة من مرض أو فقر أو خوف أو موت أو كارثة ، إذا أنعم الله عليه ، ثم تغيّر حاله ، يئس وتحرّج وسخط ، وجحد وكفر ، ونسي النّعمة ، ولم يذكر إلا المحنة والمصيبة ، ولو تأمل قليلا ، ونظر إلى نعمة الله الباقية عليه في عقله وحواسه وغير ذلك ، أو قارن المصاب بغيره ، لهان عليه الأمر ، ولم يكفر ولم يجحد .
وإذا منح الله الإنسان ( أي جنس الإنسان ) نعمة من بعد ضرّاء ، كشفاء من مرض ، وقوة من بعد ضعف ، ويسر من بعد عسر ، لقال : ذهب ما كان يسوؤني من المصائب ، ولن ينالني بعد اليوم ضيم ولا سوء ، وأصبح شديد الفرح والبطر بتلك النعمة ، وتفاخر وتعاظم على غيره ، محتقرا من دونه . فكان في موقفه هذا أيضا مخطئا خطأ شديدا ، لأنه لا يقابل النعمة بالشكر عليها ، بل تفاخر على الناس ، وقصر في حقوق الله عليه . والسّيئات في قوله تعالى : * ( ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي ) * كل ما يسوء في الدنيا . وقوله سبحانه : * ( إِنَّه لَفَرِحٌ فَخُورٌ ) * أي متماد في الفرح والبطر ، متفاخر على غيره .
التفسير الوسيط — صفحة 1026
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٠٢٦