تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1795

مساهمون:

ص١٧٩٥

هجر المشركين القرآن

لقد أصيب مشركو مكة بالذعر الشديد ، والاضطراب الكبير حين نزول القرآن وإعلان النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم دعوته ، تمسكا بهيمنتهم وسلطانهم في مكة ، ولفرض نفوذهم على الحجيج وعلى القبائل العربية ، وأداهم ذلك كله إلى التخبط والحيرة ، فكانت ردود أفعالهم متفاوتة ومضطربة ، فمرة يرفضون ما جاء به القرآن ، ومرة يتأثرون ببلاغته ، فينصاعون لنداءاته ، ثم أدى بهم الصلف والتكبر إلى هجر القرآن كليا ، ومواجهة الدعوة الإسلامية مواجهة عنيفة ، وطالبوا بمطالب تعجيزية أو جعل الوحي القرآني يتنزل على وفق أهوائهم ورغباتهم دفعة واحدة حتى يروا رأيهم ، فلا يكشف القرآن مواقفهم ، وإنما يحبط مساعيهم في مفاجأته ، ونزوله التدرجي ، قال الله تعالى واصفا هذه المواقف لقريش :

[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 30 إلى 34 ]

وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ( 1 ) ( 30 ) وكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِياً ونَصِيراً ( 31 ) وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْه الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِه فُؤادَكَ ورَتَّلْناه تَرْتِيلًا ( 2 ) ( 32 ) ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيراً ( 3 ) ( 33 ) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وأَضَلُّ سَبِيلًا ( 34 ) [ الفرقان : 25 / 30 - 34 ] . ينزعج الإنسان عادة كل الانزعاج إذا خاب ولم يحقق نجاحا في مهمته ورسالته ، وكان هذا شأن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كغيره من الأنبياء ، لقد بذل أقصى جهده في هداية قومه فأعرضوا عنه ، واستكبروا عن قبول الحق ، فشكا الرسول إلى ربه سوء أفعال قومه المشركين ، قائلا في الدنيا : يا رب ، إن قومي قريشا تركوا الإصغاء لهذا القرآن ، ولم يؤمنوا به ، وأعرضوا عن الإيمان به واتباع هديه ، وهجروه وتركوا تصديقه .

هامش
( 1 ) متروكا مهملا .
( 2 ) فرّقناه آية بعد آية أو بيّناه .
( 3 ) أصدق بيانا .