يخضع ويسجد له كل شيء طوعا وكرها ، وهذه آية إعلام بتسليم المخلوقات جميعها لله تعالى وخضوعها ، وقد ذكر الله في الآية كل ما عبد الناس ، وهناك في المخلوقات أعظم مما ذكر كالبحار والرياح والهواء ، يسجد لله جميع من في السماوات وهم الملائكة ، وجميع من في الأرض ، ممن عبد من الإنس ( الناس ) والجن ، وتسجد لله الشمس والقمر والنجوم العلوية ، وكانت حمير وهم قوم بلقيس تعبد الشمس ، وكانت كنانة من العرب تعبد القمر ، وكانت قريش تعبد الشّعرى ، وكانت أسد تعبد عطارد ، وكانت تميم تعبد الدّبران ، وكانت لخم تعبد المشترى ، وكانت طي تعبد الثّريا ، وكانت ربيعة تعبد المرزم .
والأشجار والجبال والدواب كلها تسجد لله أيضا ، وإن عبدها بعض الناس ، فمن الجبال أصنام الحجارة ، ومن الشجر : النار والخشب ، ومن الدواب : البقر وغير ذلك مما عبد من الحيوان كالديك ونحوه .
والسجود من هذه المخلوقات غير العاقلة : يراد به الخضوع والانقياد للأمر . وكثير من الناس حق له الثواب وهم من أطاع الله ، وكثير منهم حق عليه العقاب : وهم من امتنع من طاعة الله وأبى واستكبر .
ومن يهن الله ، فيشقيه ويضله لسوء فعله ، وسوء استعداده للإيمان ، فلا يقدر أحد على دفع الهوان عنه ، ولا يسعده أحد ، لأن الأمر بيده تعالى ، يوفق من يشاء ، ويخذل من يريد ، بمقتضى الحكمة الإلهية القائمة على العدل المطلق ، والعلم الشامل بأحوال الخلائق ، فلا شقاء لأحد من دون فعله السيّئ ، وعتوه وتمرده ، وخروجه عن جادة الطاعة والاستقامة ، وإن الله يفعل ما يشاء في عباده من الإهانة والإكرام ، والتعذيب والإنعام ، حسبما سبق في علمه الأزلي ، والناجي : من سجد لله وخضع وانقاد للأمر ، والهالك من عتا وتكبر عن طاعة الله تعالى .
التفسير الوسيط — صفحة 1634
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٦٣٤