تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1586

مساهمون:

ص١٥٨٦
بإنذاركم به ، وعملي : هو مجرد التبليغ لا الإلزام بالقبول ، ولم أبعث بآية مطَّردة ولا بما تقترحونه ، فإن لم تجيبوا دعوتي ، فعليكم الوبال والنكال ، لا علي . ولا يجدي هذا الوحي من أعمى الله بصيرته ، وختم على سمعه وقلبه ، وما مثل المعرضين عن آيات الله إلا مثل الصّمّ الذين لا يسمعون شيئا أصلا ، فليس الغرض من الإنذار مجرد السماع ، بل الإصغاء لما يسمع ، والتمسك به ، بالإقدام على فعل الواجب ، والتحرز عن المحرّم ، ومعرفة الحق ، فإذا لم يتحقق هذا الغرض ، فلا فائدة في السماع . ولئن مسّ أو أصاب هؤلاء المكذبين شيء من عذاب الله يوم القيامة ، ليبادرن إلى الاعتراف بذنوبهم ، ويقولون : يا هلاكنا ، إنا ظلمنا أنفسنا في الدنيا ، بتقصيرنا في الطاعة ، وإعراضنا عن الإيمان الحق بالله تعالى ، وبعبارة أخرى : ولئن مسّ هؤلاء الكفرة صدمة عذاب في دنياهم ، ليندمنّ وليقرّنّ بظلمهم . وفي هذا إشارة إلى شدة عذاب الله : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( 12 ) [ البروج : 85 / 12 ] . وبعد أن توعدهم الله بنفحة من عذاب الدنيا ، عقّب ذلك بتوعّد بوضع الموازين الدقيقة للحساب في الآخرة ، والمعنى : ونضع الموازين العادلة التي توزن بها صحائف الأعمال في يوم القيامة ، أو لحساب يوم القيامة ، أو لحكم يوم القيامة ، فقوله تعالى : * ( لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) * بتقدير حذف مضاف ، فلا يلحق نفسا أي ظلم ، فهم إن ظلموا أنفسهم في الدنيا ، فلن يظلموا في الآخرة ، حتى وإن كان العمل أو الظلم زنة حبة الخردل ، فنجازي عليه الجزاء الأوفى ، حسنا أو سيئا ، وكفى بنا محصين لأعمال العباد ، فلا أحد أعلم بأعمالهم منا ، ولا أحد أضبط ولا أعدل في تقويم الأعمال منا . وفي هذا تحذير شديد ، ووعيد أكيد للكفار والعصاة على تفريطهم أو تقصيرهم فيما يجب عليهم نحو الله تعالى لأن الإله العالم الذي لا يشتبه عليه شيء ، القادر الذي لا يعجزه شيء ، جدير بأن يكون الناس في أشد الخوف منه .