بما جاءتهم به رسلهم بسبب تكذيبهم بالوحي والرسالة الإلهية ، كما كذّب المتقدمون من قبلهم ، ممن كانوا على شاكلتهم في الكفر * ( كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ) * أي هذا فعلنا بهؤلاء الذين تجاوزوا طورهم ، واجترحوا ما لا يجوز لهم ، كما فعلنا بأمثالهم ، ختمنا على قلوب المعاندين ، فلم يعد الخير نافذا إليها ، ولا يتنظر إيمانهم حتى يروا العذاب الأليم . وهذا إنذار شديد لمشركي العرب بأنهم يستحقون عذابا مثل عذاب الأمم السابقة إذا استمروا في تكذيبهم الرّسل ومعارضة دعوة النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم .
ثم بعث الله تعالى من بعد أولئك الرّسل موسى وأخاه هارون عليهما السّلام إلى فرعون ملك مصر وأشراف قومه وأتباعهم ، بعثهما الله بالآيات البيّنات الدّالة على صدقهما كالعصا واليد ، فاستكبر فرعون وأتباعه عن قبول الحق والانقياد له ، وعن الإيمان بموسى وهارون ، وكانوا قوما مجرمين ، أي معتادي الاجرام كفارا ذوي آثام عظام ، والغين في الجريمة ، ممعنين في الكفر والضلال .
فلما جاءهم موسى عليه السّلام بدليل الحق على الرّبوبية والألوهية لله تعالى ، قالوا عنادا وعتوّا : إن هذا لسحر واضح ، أي إن عصا موسى التي تنقلب حية ، ويده التي تضيء كالشمس هما في زعم فرعون وملئه سحر بيّن .
فأجابهم موسى منكرا عليهم وموبّخا لهم : أتقولون للحق الواضح البعيد عن السحر الباطل : إنه سحر ، والحال أنكم تعرفون أن السحر تخييل وتمويه ، ولو كان هذا سحرا لانكشف واضمحلّ وزال ، ولم يبطل سحر السحرة ، فهو إذن معجزة إلهية ، لا سحر وشعوذة ولا تمويه .
فقال قوم فرعون لموسى قول صاحب الحجة الضعيفة بالتمسك بالتقليد للآباء والأجداد : أجئتنا يا موسى لتصرفنا وتردّنا عن دين آبائنا وأجدادنا ؟ ولتكون لكما ، أي لك ولهارون أخيك الكبرياء في الأرض ، أي الرياسة الدينية والسلطة الدنيوية
التفسير الوسيط — صفحة 996
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٩٩٦