وأكد الله تعالى على بشرية الرسل ، فقال : * ( وما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ ) * أي لم نجعل الأنبياء ذوي جسد غير طاعمين كالملائكة ، بل كانوا أجسادا عاديين يتناولون الطعام كغيرهم . وما كتب لهم الخلود والبقاء في الدنيا .
وهذا نفي قاطع لاعتقاد بعض المشركين من ترفع الرسل عن الحاجة إلى الطعام ، فهم كسائر البشر يأكلون الطعام ، ويتصفون بصفات الإنسان ذاتها ، ويتعرضون للمشاعر الإنسانية ، من حزن وسرور ، ومرض ونوم ، ويقظة وانتباه ، وحياة أو موت ، فلا خلود ولا بقاء لهم في الدنيا .
ويذكر الله بقوله : * ( ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ ) * بأنه سبحانه يصون حياة الرسل وكراماتهم ، ويصدقهم في الوعد الذي واعدهم به ، ألا وهو النصر على أعدائهم ، وإنجاؤهم من العذاب ، هم ومن يشاء الله من أتباعهم المؤمنين ، ويهلك المكذبين منهم ، المسرفين على أنفسهم بالكفر والمعصية ، والمكذبين بما جاءت به الرسل .
وإثبات بشرية الرسل للرد على المشركين ، يناسبه الحديث عن شرف القرآن وفضله ، ونفعه للناس ، فقال سبحانه : * ( لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيه ذِكْرُكُمْ ) * أي تالله لقد أعطيناكم هذا القرآن المشتمل على دستور الحياة الإنسانية الفاضلة ، وفي هذا الكتاب عظة وتذكير بمحاسن الأخلاق ، ومكارم الشيم ، أفلا تعقلون ، أي تتدبرون أمركم ، وتقدّرون هذه النّعمة ، وتتلقونها بالقبول ، وتتفكرون بما اشتمل عليه هذا القرآن من العظات والعبر ، فتأخذوا بما فيه ، وتتجنبوا ما حذّركم منه ، أو نهاكم عنه ، وهذا حث شديد على تدبر أحكام القرآن ، وتعقل ما جاء فيه من أمور الدين والدنيا والحياة .
وقوله سبحانه : * ( لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيه ذِكْرُكُمْ ) * بيان رفعة العرب ، وإعلاء شأنهم ومنزلتهم بين أبناء العالم كله ، والرفعة أو العزة لا تعني الأفضلية أو الطبقية أو
التفسير الوسيط — صفحة 1568
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٥٦٨