تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1557

مساهمون:

ص١٥٥٧
كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) وكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّه ولَعَذابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وأَبْقى ( 127 ) [ طه : 20 / 122 - 127 ] . تضمنت هذه الآيات لآدم عليه السلام أمورا ثلاثة : الرجوع به من حال المعصية إلى حال الندم ، وهدايته لصالح الأقوال والأعمال ، وإمضاء عقوبته عز وجل في إهباطه من الجنة إلى عالم الدنيا . وفي الدنيا إنذار لآدم وذريته ، فحواه أن المستقيم على أمر الله يلقى السعادة ، والمعرض عن ذكر الله يتلقى ألوان المعيشة الشديدة المتعبة . والمعنى : لقد اصطفى الله تعالى آدم عليه السلام وقرّبه إليه ، بعد أن تاب من المعصية ( وهي الأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ) وطلب المغفرة من ربه ، وأقر بأنه قد ظلم نفسه ، فتاب الله عليه من غلطته ، وهداه إلى التوبة وإلى سواء السبيل . ثم قال الله تعالى لآدم وزوجه حواء : انزلا من الجنة إلى الأرض معا ، بعضكم يا معشر البشر في الدنيا عدو لبعض ، في شأن المعاش وتنافس الدنيا وأطماعها ، مما يؤدي إلى وقوع الخصام والاقتتال . فإن يأتكم أيها البشر مني هدى ، بوساطة الأنبياء والرسل ، وإنزال الكتب المنذرة والمبشرة ، فمن اتبع هدى ربه وآمن به ، فإنه لا يضل في الدنيا ، ولا يشقى في الآخرة . ومن أعرض عن ذكر الله وكفر به ، فإن له معيشة ضنكا ، أي معيشة نكدة شاقة في المنازل ، أو في الحروب ونحوها ، ووقت هذه المعيشة في عالم الدنيا قبل يوم القيامة . والمعنى : أن المعرض عن ذكر الله وهو الكافر ، وإن كان متسع الحال والمال ، فمعه من ألوان الحرص والقلق والهموم والتعذيب النفسي في أمور الدنيا أو في البرزخ في القبر ، ما يصيّر معيشته ضنكا وشدة ، فتكون العبرة بسعادة النفس وراحة البال والاطمئنان . ثم نحشره ونبعثه في الآخرة أعمى البصر والبصيرة ، تائه الدرب ، متخبطا في ألوان العذاب يوم القيامة .
التفسير الوسيط — صفحة 1557 | وهبة الزحيلي