تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1510

مساهمون:

ص١٥١٠
بأن أكثر فواصل الآيات ( أواخرها ) جاءت بالألف المقصورة ، وأحيانا بالياء المنقوصة ، وهذا من سمو البلاغة ، وللتأثير القوي على النفوس . وسبب نزول هذه الآية : إنما هو ما كان عليه رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، يتحمله من مشقة الصلاة ، حتى كانت قدماه تتورمان ، وتحتاجان إلى الترويح ، فقيل له : طأ الأرض ، أي لا تتعب حتى لا تحتاج إلى الترويح ( أي الوقوف على قدم وإراحة الثانية من التعب ) . يا طه ، لم ننزل القرآن عليك لتتعب نفسك بسبب تأسّفك عليهم وعلى كفرهم ، فإن إيمانهم ليس إليك ، بل أنزلناه لتبلَّغ وتذكّر ، فحسبك التبليغ والتذكير ، ولا تلتفت بعدئذ لإعراض المعاندين ، ولا ترهق نفسك وتتعبها بحملهم على قبول دعوتك . وما أنزلناه إلا تذكرة لتذكّر به من يخاف عذاب الله ، وينتفع بما سمع من كتاب الله الذي جعلناه رحمة ونورا ودليلا إلى الجنة ، وليس عليك جبرهم على الإيمان ، كما جاء في آية أخرى : إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [ الشورى : 42 / 48 ] ، وآية لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( 22 ) [ الغاشية : 88 / 22 ] . وفي هذا إيناس للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على إعراض قومه عن دعوته ، وضيق نفسه على تصميمهم على الكفر . وهذا القرآن المنزل عليك يا محمد : إنما هو تنزيل من خالق الأرض والسماوات العلى ، والمراد جهة السفل والعلو ، الأرض بانخفاضها وكثافتها ، والسماوات في ارتفاعها ولطافتها . والمراد بالآية : إخبار العباد عن كمال عظمة منزل القرآن ، ليقدروا القرآن حق قدره . ومنزل القرآن : هو الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها ، وهو الذي استوى على العرش ، وهو استواء نؤمن به من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ، ولا تحريف ولا تأويل ، وبلا كيف ولا انحصار .
التفسير الوسيط — صفحة 1510 | وهبة الزحيلي