أول ما قيلت في العالم شاك الشجر ، واستعرت جهنم ، وغضبت الملائكة .
وقال محمد بن كعب : لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا الساعة ، لقوله تعالى : * ( تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْه وتَنْشَقُّ الأَرْضُ وتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً ( 91 ) ) * .
إن سبب هذه المقالة الخطيرة جدا أنهم نسبوا الولد إلى الله ، ولا يصلح له ولا يليق به اتخاذ الولد ، لجلال الله وعظمته ، فإن هذا نقص ، تعالى الله وتنزه عنه ، لأن جميع الخلائق عبيد له .
وتأكيدا لإنكار هذه الفرية وإبطالها : كل واحد من الخلق من الملائكة والإنس والجن ، لا بد له من أن يأتي إلى الله يوم القيامة عبدا خالص العبودية لله ، مقرا بالحقيقة ، خاضعا ذليلا ، معلنا أنه مملوك لله ، فكيف يكون أحد المخلوقات ولدا لله ؟ ! قد علم الله عدد الخلائق ، منذ خلقهم إلى يوم القيامة ، وعدّ أشخاصهم وأحوالهم كلها ، فهم تحت قهره وسلطانه وتدبيره ، وكل واحد يأتي لربه في الآخرة بمفرده ، لا ناصر له ولا مال معه ، ولا مجير له إلا الله وحده لا شريك له ، فيحكم في خلقه بما يشاء ، وحكمه عادل عدلا مطلقا ، لا يشوبه شيء من الظلم ، ولكن الناس أنفسهم يظلمون ، وقوله سبحانه * ( عَدًّا ) * في قوله * ( وعَدَّهُمْ عَدًّا ) * توكيد للفعل وتحقيق له . وقوله عز وجل : * ( فَرْداً ) * في قوله : * ( وكُلُّهُمْ آتِيه يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً ( 95 ) ) * يتضمن معنى قلة النصير والحول والقوة ، فلا مجير له ، مما يريده الله به .
إن هذه الآيات تقرر مبدأ جوهريا في العقيدة : وهو مبدأ توحيد الله ، ونفي اتخاذ الله ولدا على جهة التنزيه لله عن ذلك . وتلتقي هذه الآيات في موضوعها مع سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن ، وهي : قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ ( 1 ) ومع
حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند البخاري حيث قال هذا الصحابي : قال رسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم :
التفسير الوسيط — صفحة 1505
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٥٠٥