وكما أنمناهم ثم بعثناهم ، أطلعنا الناس عليهم وعلى أحوالهم ، وهم أولئك الذين تشككوا في قدرة الله على إحياء الموتى وفي البعث وفي القيامة ، فإن بعث أهل الكهف حجة واضحة على قدرة الله على البعث والإحياء ، وليدركوا ويتيقنوا أن وعد الله بالبعث حق وصدق وأمر ثابت الوقوع ، وأن مجيء الساعة ، أي القيامة أمر لا شك فيه ، فمن شاهد أهل الكهف بعد مكثهم نياما ثلاث مائة وتسع سنين ، علم صحة الخبر بصدق وجود البعث ، لأن بعثهم من نومهم ، كبعثهم من موتهم . وقوله تعالى :
* ( وكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ ) * أي كما بعثناهم أعثرنا عليهم ، والإعثار : إعلام الناس بخبرهم ، وسمي ذلك إعثار ، لأن من غفل عن شيء ثم عثر به ، نظر إليه وتعرف عليه ، فكان الإعثار سببا في العلم بهم وبمعرفة أحوالهم .
لقد أطلعنا عليهم أهل زمانهم حين كانوا يتنازعون مع بعضهم في أمر القيامة ، فمنهم المثبت لها ومنهم المنكر ، ومنهم المؤمن بها ومنهم الكافر ، فجعل الله اطلاع الناس على أصحاب الكهف حجة لأهل الإيمان ، وفرح الملك وشعبه بآية الله على البعث ، وزال الخلاف في شأن القيامة .
ثم انقسم القوم في شأن أهل الكهف ، فقالوا بعد أن أماتهم الله وحين تنازعهم :
ابنوا عليهم بنيانا يسد باب كهفهم ، لئلا يدخل الناس عليهم ، حفاظا عليهم واحتراما لأجسادهم ، والله أعلم بشأنهم ، وهذه الجملة المعترضة للرد على المتنازعين في عقيدة أهل الكهف وفي أنسابهم وأسمائهم ومدة لبثهم ، ثم قالت الطائفة الغالبة على الأمر والرأي في مواجهة الذين أرادوا طمس معالم الكهف ، وتلك الطائفة وهم المؤمنون والملك قالوا : لنتخذن على باب الكهف مسجدا يصلي فيه المؤمنون ، ويتبركون بمكانهم .
التفسير الوسيط — صفحة 1414
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٤١٤