بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ( 21 ) [ الكهف : 18 / 19 - 21 ] .
هذه هي العبرة من قصة أصحاب الكهف ، مفادها : كما أبقيناهم أحياء من غير أكل ولا شرب مدة طويلة من الزمان ، في تقلب مستمر وهم نيام ، فكذلك بعثناهم ، أي أحييناهم من تلك النومة التي تشبه الموت ، لنعرّفهم مدى قدرتنا وعجيب فعلنا من الناس ، وليتبصروا في أمرهم ، وليتساءلوا بينهم ، أي ليؤول الأمر أو يصير إلى هذا اللون من التساؤل ، فقال قائل منهم : كم لبثتم ، أي كم رقدتم في نومكم ؟
فأجاب بعضهم قائلا : لبثنا في تقديرنا يوما كاملا ، أو جزاء من اليوم لأن دخولهم إلى الكهف كان في أول النهار ، وإيقاظهم كان في آخر النهار ، فقالوا : * ( أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) * .
وأجاب بعض آخر من أهل الكهف : ربكم أعلم بأمركم وبمقدار لبثكم ، أي فالله أعلم منكم ، وأنتم لا تعلمون مدة لبثكم .
ثم لما أحسّوا بحاجتهم إلى الطعام والشراب قالوا : أرسلوا أحدكم بدراهمكم هذه إلى المدينة ، وهي طرسوس كما ذكر الرازي ، وهي المدينة التي خرجوا منها . فليبصر أي الأطعمة أجود وأنفع وأطيب وأيسر سعرا ، فليأتكم بمقدار مناسب منه ، من رزق الله الذي يرزق به الناس ، وليتلطف ، أي وليكن لطيفا رفيقا في الطلب ، وفي الدخول والخروج من المدينة وفي الشراء ، ولا يخبرن ولا يعلمن أحدا من أهل المدينة بمكانكم . لأن أصحاب الملك ( دقيانوس ) إن اطلعوا على مكانكم ، يقتلوكم بالرجم بالحجارة ، أو يكرهوكم على العودة إلى دينهم - دين الوثنية وعبادة الأصنام ، وإن وافقتموهم على العود إلى ملتهم أو دينهم ، فلا فلاح لكم أبدا في الدنيا والآخرة .
التفسير الوسيط — صفحة 1413
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٤١٣