تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1409

مساهمون:

ص١٤٠٩
أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلا واضحا صحيحا ؟ ! فلا أحد أشد ظلما من افتراء الكذب على الله ، ونسبة الشريك إليه فهم قوم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك . وكان من لطف الله بهم : أن ملكهم ، بعد أن هددهم وتوعدهم ، أمهلهم . لينظروا في أمرهم ، لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه ، فوجدوها فرصة مواتية ، وهربوا فرارا بدينهم من الفتنة . قال ابن كثير : وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس : أن يفرّ العبد منهم خوفا على دينه ، كما جاء في حديث البخاري وأبي داوود عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنما يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفرّ بدينه من الفتن » . ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ، ولا تشرع فيما عداها ، لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع .

اعتزال أصحاب الكهف قومهم

حين يشتد الأذى بفئة التوحيد والإيمان ، لا سبيل إلى النجاة إلا باعتزال القوم الكفرة المؤذين ، عزلة مادية بترك الديار والبلاد ، وعزلة معنوية بمخالفتهم في دينهم وترك معبوداتهم المزعومة ، والاستقلال بعبادة الله وحده . وهذا كان منهج أهل الكهف ، تركوا ديار قومهم ، ولجؤوا إلى كهف في الجبل ، فرارا بدينهم من الفتنة ، وقد حمد الله تعالى فعلهم ، وحفظهم ، وجعلهم مثلا في التاريخ ، قال الله تعالى واصفا هذه العزلة الإيمانية :

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 16 إلى 18 ]

وإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِه ويُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ( 1 ) ( 16 ) وتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ ( 2 ) عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ

هامش
( 1 ) أي ما ترتفقون به ، أي تنتفعون من غداء وعشاء .
( 2 ) أي تميل عنه .