تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1276

مساهمون:

ص١٢٧٦
والمعنى : والله ، لقد أرسلنا رسلا إلى الأمم الخالية من قبلك ، فكذبت الأمم رسلها ، وحسّن لهم الشيطان أعمالهم من الكفر وعبادة الأوثان ، فيكون الشيطان ولي الكفرة المشركين في اليوم المشهود ، وهو يوم القيامة وقت الحاجة والفصل ، أي إنه قرينهم في النار في هذا اليوم ، ويكون للشيطان وأتباعه عذاب مؤلم شديد بسبب اشتراكهم في عصيان الله . والسبب في ذلك : أن أعداء الرسل والهداية الربانية في الأمم السابقة اتخذوا الشيطان ناصرا لهم في الدنيا ، بحسب زعمهم ، وحسبوا أن الشيطان ينقذهم من العذاب وهو في الواقع يغرهم ويخدعهم ويسوقهم إلى العذاب ، فلا تنفعهم ولايته ونصرته . والعبرة من حكاية هذا الواقع للأمم الماضية تأنيس النبي عليه الصلاة والسلام ، فلا يحزن على تكذيب قومه له ، فله أسوة بالمرسلين من قبله ، وعليه أن يترك المشركين الذين كذبوا الرسل في غيّهم وضلالهم ، فإنما وقعوا فريسة لتزيين الشيطان لهم ما فعلوه . ولكن العدل الإلهي والرحمة الربانية اقتضيا ألا يكون هلاك وعقاب في الدنيا إلا بعد بيان الحجة وإقامة البرهان على الاعتقاد الحق والإيمان الصحيح ، فقال الله سبحانه : * ( وما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيه . . ) * أي : إنما أنزلنا عليك القرآن لهدف واضح ، وهو أن تبين للناس الذي يختلفون فيه في العقائد والعبادات ، فيعرفوا الحق من الباطل ، والقرآن العظيم هو كلمة الفصل ، والقرار الحاسم بين الناس فيما يتنازعون فيه ، وهو هدى للقلوب الحائرة ، والرحمة الشاملة لقوم يصدقون به ، ويتمسكون بتعاليمه وشرائعه ، ويلتزمون منهجه في الحياة والآداب والأخلاق ، ولا يحيدون عن توجيهاته ، والعمل في فلكه ومقاصده وغاياته ، كما قال الله تعالى في آية أخرى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ويُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ