تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط — صفحة 1237

مساهمون:

ص١٢٣٧
أي قل يا محمد للناس : إني منذر ومخوف من عذاب أليم شديد الوجع ، أنذر كل من كذّب برسالتي وأعرض عن دعوتي ، وتمادى في غيّه وضلاله ، حتى لا يتعرّض لانتقام وتعذيب من الله كما فعل بالأمم المتقدمة . وحدّد الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم جهة الإنذار وعيّن المنذرين ، وهم أهل الكتاب الذين فرّقوا دينهم ، واقتسموا القرآن إلى أجزاء ، فآمنوا ببعضه الموافق للتوراة والإنجيل ، وكفروا ببعضه المخالف لهما ، فاقتسموه إلى حقّ وباطل ، وهم أيضا القرشيّون الذين اقتسموا طرق مكة ، يصدّون الناس عن الإيمان برسول الله صلَّى اللَّه عليه وسلم ، وعددهم حوالي أربعين ، أو ستة عشر رجلا ، بعثهم الوليد بن المغيرة أيام موسم الحج ، فاقتسموا طرق مكة يقولون لمن يسلكها : لا تغتروا بالخارج منّا ، والمدّعي للنّبوة ، فإنه مجنون ، وكانوا ينفّرون الناس عنه واصفين إياه : بأنه ساحر ، أو كاهن ، أو شاعر ، فأنزل الله تعالى بهم خزيا ، فماتوا شرّ ميتة ، هؤلاء الفريقان : الكتابيّون والقرشيّون هم الذين جعلوا القرآن عضين ، أي أجزاء متفرّقة ، آمنوا ببعض وكفروا ببعض . وجعلوا القرآن سحرا وشعرا وكهانة ، أي صيّروه بألسنتهم ودعواهم . وكان جزاؤهم وعيدا محضا ، يأخذ الله كل أحد منهم بحسب جرمه وعصيانه ، يسألهم الله سؤال توبيخ وتأنيب عن أقوالهم وأعمالهم ، ويجازيهم على أفعالهم الجزاء التّام . فالكافر يسأل عن ( لا إله إلا الله ) وعن الرّسل ، وعن كفره وقصده . وكذلك يسأل المؤمن العاصي عن تضييع القرآن ، ويسأل الإمام عن رعيّته ، وكل مكلف عما كلَّف القيام به ، فيكون الضمير في قوله تعالى : * ( فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) ) * ضميرا عامّا يشمل جميع الناس المؤمنين والكافرين ، كلّ بحسب جرمه وعمله . ويكون الإنذار أيضا لجميع الناس ، سواء من اقتسم الكتاب الإلهي وجزّأه ، فآمن ببعضه وكفر بالبعض الآخر ، ومن ضيّع القرآن ، فأخذ ببعضه وترك البعض الآخر .