الْمَلِكُ ائْتُونِي بِه أَسْتَخْلِصْه لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَه قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 1 ) ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) وكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها ( 2 ) حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ ولا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) ولأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) [ يوسف : 12 / 53 - 57 ] . توّجت امرأة عزيز مصر أقوالها واعترافاتها أمام الملك بقولها المعبّر عن ضعف الإنسان وتورّطه بالمساوئ ، وهو أنني لئن برّأت يوسف ، فما أبرئ نفسي من الزّلل والخطأ ، إن النفس ميّالة بالطبع إلى الشهوات والأهواء . وهو اعتذار عن وقوعها فيما يقع فيه البشر عادة من الشهوات ، كأنها قالت : وما هذا ببدع ولا ذلك بنكير على البشر ، فأبرئ أنا منه نفسي ، والنفوس أمّارات بالسوء ، مائلة إليه ، إلا النفوس التي يرحمها الله ، فيحميها من التورّط في الفواحش ، وإن الله ربّي غفّار للذنوب ، رحيم بالعصاة إذا تابوا وأنابوا إلى الله . هذا قول جمهور المفسّرين ، ويرى بعضهم أن هذا من قول يوسف عليه السّلام ، لتذكّره ما كان هم به . وأمام هذا الإعلان الصريح أمام الملك ، قال : ائتوني بيوسف من السجن ، أجعله من خلصائي ومستشاريّ ، فلما خاطبه الملك واختبره ، ورأى فضله وعلمه ، ولمس أدبه وخلقه ، قال له : إنك اليوم عندنا ذو مكانة ومنزلة ، وموضع ثقة وأمانة ، تؤتمن على كل شيء في شؤون الحكم وإدارة البلاد . فقال يوسف للملك : اجعلني أيها الملك على مخازن الأرض التي تخزن فيها الغلال ، أشرف عليها وأتصرّف بها ، فأنقذ البلاد من المجاعة التي تهدّد أهلها ، إني خازن أمين ، ذو علم وبصيرة بما يتولاه . وهذا دليل على جواز المطالبة بالعمل ،
التفسير الوسيط — صفحة 1115
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١١١٥
هامش
( 1 ) أي ذو مكانة ومنزلة ومؤتمن على كل شيء .
( 2 ) يتخذ منها مباءة ومنزلا .