وكانُوا فِيه مِنَ الزَّاهِدِينَ ( 20 ) وقالَ الَّذِي اشْتَراه مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِه أَكْرِمِي مَثْواه عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَه وَلَداً وكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ ولِنُعَلِّمَه مِنْ تَأْوِيلِ الأَحادِيثِ واللَّه غالِبٌ عَلى أَمْرِه ( 1 ) ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 21 ) ولَمَّا بَلَغَ أَشُدَّه ( 2 ) آتَيْناه حُكْماً ( 3 ) وعِلْماً وكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 22 ) [ يوسف : 12 / 19 - 22 ] . قدّر الله تعالى ألا تطول غربة يوسف ومأساته ووحشته في البئر ، فمرّت سيارة ، أي قوم مسافرون معا من مدين إلى مصر ، وأشدّ ما يحتاج إليه المسافرون عبر الصحراء والمسافات البعيدة هو الماء ، فأرسلوا من يستقي لهم الماء من بئر وجدوها في الطريق في الأردن ، على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب ( أي حوالي 15 كم ) ، فألقى دلوه في البئر ليملأها ، فتدلى بها يوسف وتمسّك بالحبل ، وصعد مع حبل الدلو ، فقال الوارد المستقي المدلي مبشّرا نفسه وقومه : يا بشارتنا العظمى ، يا بشراي ، هذا غلام ، وكان يوسف يومئذ ابن سبع سنين ، فحملوه مع قافلتهم ، وأخفوا أمره عن الرفاق المسافرين ، جاعليه متاعا للتجارة ، والله عليم بأفعالهم ، لم يخف عليه إسرارهم في أنفسهم أنهم يتّخذونه بضاعة لأنفسهم . وفي ذلك تنبيه على إرادة الله تبارك وتعالى ليوسف ، وسوق الأقدار بحسب بناء حاله ، كما قال النّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم كما جاء في حلية الأولياء 8 / 339 : « يقدّر المقدرون ، والقضاء يضحك » . وفي ذلك إيناس أيضا للنّبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عما يجري عليه من جهة قريش ، فإن العاقبة التي هي للمتقين هي المراعاة والمنتظرة . وباعوا الغلام الجميل الحدث في مصر بثمن قليل ناقص عن ثمن المثل من الدراهم المعدودة عدّا ، لا وزنا ، وكانوا لا يزنون إلا ما بلغ الأوقية ( أربعين درهما ) فما فوقها . وكانوا في هذا البيع من الزاهدين ، أي الراغبين عنه الذين لا يعرفون قدره ،
التفسير الوسيط — صفحة 1099
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص١٠٩٩
هامش
( 1 ) لا يغلبه شيء .
( 2 ) منتهى القوة والجسم وهو سنّ الأربعين .
( 3 ) نبوة وحكمة : وهي الفهم ومعرفة الأسرار .