وتوفي عمر ، واجتمع هؤلاء فوضحت منذ البداية معالم الصراع ، حيث أعلن أربعة من
المرشحين عزفهم عن ترشيح أنفسهم مع احتفاظهم بحق التصويت . وبذلك انحصرت المعركة بين
علي وعثمان ، وأوكلت الأمور إلى عبد الرحمن بن عوف لاختيار واحد منهما . وقام هذا
الأخير باستطلاع آراء الناس ، فكان أن واجه تيارين : أحدهما مل قسوة نظام عمر
ورقابته المركزية الشديدة وعدم تساهله ، ورأى في استلام علي للحكم استمرارا ، لا بل
تطويرا لنظام الخليفة السابق ، وتطبيقا أشد لقوانين الاسلام . ذلك أن عليا كان ابن
الاسلام وربيب البيت النبوي وعارفا بأمور الدين وعلومه أكثر من سواه ، فقد شرب من
ينابيعه الأولى منذ البداية وحتى نهاية حياة النبي بلا انقطاع أو توقف ، كما رأى
اتباع هذا التيار ان في استلام علي للسلطة انتصارا دائما للتيار الهاشمي الذي
انتصر بنجاح النبي وطعن يوم السقيفة . ولقد كان اتباع هذا التيار أقل قوة من التيار
الآخر ، غير أنه كان أكثر مرونة وأوسع دهاء وأقل مثالية وأبرع في اعداد الانقلابات
وخلق المواقف المحرجة ( 1 ) .
هامش
( 1 ) جاء في تاريخ الطبري ان عبد الرحمن بن عوف بعث في صبيحة اليوم الثالث لوفاة عمر
إلى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار ، والى أمراء الأجناد
فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله فقال : أيها الناس ، ان الناس قد أحبوا ان يلحق أهل
الأمصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم ، فقال سعيد بن زيد : انا نراك لها أهلا ،
فقال : أشيروا علي بغير هذا . فقال عمار : ان أردت الا يختلف المسلمون فبايع عليا ،
فقال المقداد بن الأسود : صدق عمار ، ان بايعت عليا قلنا سمعنا وأطعنا . قال ابن أبي
سرح : ان أردت الا تختلف قريش فبايع عثمان : فقال عبيد الله بن أبي ربيعة : صدق أن
بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا . فشتم عمار ابن أبي سرح وقال : متى كنت تنصح
المسلمين . فتكلم بنو هاشم وبنو أمية فقال عمار : أيها الناس أن الله عز وجل أكرمنا
بنبيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الامر عن أهل بيت نبيكم ! فقال رجل من بني
مخزوم : لقد عدوت طورك يا ابن سمية ، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها . فقال سعد بن أبي
وقاص : يا عبد الرحمن افرغ قبل أن يفتتن الناس ، فقال عبد الرحمن : اني قد نظرت
وشاورت فلا تجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا . ودعا عليا فقال : عليك عهد الله
وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده ؟ قال : أرجو أن
أفعل واعمل بمبلغ علمي وطاقتي ، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي ، قال : نعم ،
فبايعه ، فقال علي : حبوته حبو دهر ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل
والله المستعان على ما تصفون ، والله ما وليت عثمان الا ليرد الامر إليك والله كل
يوم هو في شأن . فقال عبد الرحمن : يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا فاني قد نظرت
وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان ، فخرج علي وهو يقول : سيبلغ الكتاب أجله ،
فقال المقداد : يا عبد الرحمن أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه
يعدلون ، فقال : يا مقداد والله لقد اجتهدت للمسلمين . فقال المقداد : ما رأيت مثل ما
أوتي أهل هذا البيت بعد نبيهم ، أني لأعجب من قريش انهم تركوا رجلا ما أقول أن
أحدا أعلم ولا أقضى منه بالعدل . فقال عبد الرحمن : يا مقداد اتق الله فأني خائف
عليك الفتنة ، فقال علي : أن الناس ينظرون إلى قريش وقريش تنظر إلى بيتها فتقول : أن
ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا ، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها
بينكم - الطبري : 5 / 37 - 38 .