دعوتُه لأقتُلَه ( 1 ) .
هامش
1 . [ الف ] الباب الأول في ذكر خلافة أبي بكر من أبواب ذكر الخلفاء من وقائع السنة الحادية عشر . [ مرآة الزمان : ] .
[ أقول : قريب ممّا مرّ عن ابن الجوزي ما نقله البغدادي ، وجدير بنا أن نذكره بنصّه .
قال الشيخ عبد القادر البغدادي الحنفي ( المتوفى 1093 ) :
ورأيت رسالة لأبي رياش أحمد بن أبي هاشم القيسي تتضمن قصة قتل خالد بن الوليد لمالك :
كان مالك بن نويرة قد أسلم قبل وفاة النبيّ صلى الله عليه [ وآله ] وسلم ، وتصدّق ، وكان عريف ثعلبة بن يربوع ، فقبض النبيّ صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وإبل الصدقة برحرحان - وهو ماء دوين بطن نخل - فجمع مالك جمعاً نحواً من ثلاثين ، فأغار عليها ، فاقتطع منها ثلاثمائة ، فلمّا قدم بلاد بني تميم لامه الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم وضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم ، وبلغ مالكاً أنهما يمشيان به في بني تميم ، فقال مالك : يعتبهما ، ويدعو على ما بقي من إبل الصدقة :
أراني الله بالنعم المندى * ببرقة رحرحان وقد أراني
أإن قرّت عيون فاستفيئت * غنائم قد يجود بها بناني
حويت جميعها بالسيف صلتا * ولم ترعد يداي ولا جناني
تمشى يا ابن عوذة في تميم * وصاحبك الأقيرع تلحياني
ألم أك نار رابئة تلظّى * فتتقيا أذاي وترهباني
فقل لابن المذب يغض طرفا * على قطع المذلة والهوان
وعوذة : أُمّ ضرار بن القعقاع ، وهي معاذة بنت ضرار بن عمرو الضبي .
والمذبة : أُمّ الأقرع بن حابس .
فلما قام أبو بكر ، وبلغه قول مالك بعث إليه خالد بن الوليد ، وأمره أن لا يأتي الناس إلاّ عند صلاة الغداة ، فمن سمع فيهم مؤذنا كفّ عنهم ، ومن لم يسمع فيهم مؤذناً استحلّهم ، وعزم عليه ليقتلن مالكاً إن أخذه . فأقبل خالد بن الوليد حتّى هبط جو البعوضة - وبه بنو يربوع - فبات عندهم ، ولا يخافونه ، فمرّ على بني رياح ، فوجد شيخاً منهم - يقال له : مسعود بن وضام - يقول :
وحجّة أتبعها بحجّة * وهدية أهديتها للأبطح
فمضى عن رياح حتّى مرّ ببني غدانة وبني ثعلبة ، فلم يسمع فيهم مؤذّناً ، فحمل عليهم ، فثار الناس ولا يدرون ما بيّتهم ، فلمّا رأوا الفرسان والجيش قالوا : من أنتم ؟ ! قالوا : نحن المسلمون . قال مالك : ونحن المسلمون ! فلم ينته المسلمون لذلك ، ووضعوا فيهم السيف ، وقتلت غدانة أشدّ القتل ، وقتلت ثعلبة ، وأعجل مالك عن لبس السلاح ، وإن امرأته ليلى بنت سنان بن ربيعة بن حنظلة قامت دونه عريانة ، ودخل القبة ، وقامت دونه ، ولبس مالك أداته ثم خرج ، فنادى : يا آل عبيد ! فلم يجبه أحد غير بني بهآن [ تيهان ] ، فإنهم صدقوا معه يومئذ ، وطلعوا من جو البعوضة ، وبلغوا ذات المذاق - وهي أكمة بينها وبين الجو ميلان أو قدر ميل ونصف - ففزعوا من القوم غير مالك وغير بقية من ولد حبشي بن عبيد بن ثعلبة ، وكان عدّة من أصيب مع مالك خمسة وأربعين رجلا من بني بهآن .
ثم إن خالد بن الوليد قال : يا ابن نويرة ! هلمّ إلى الإسلام ، قال مالك : وتعطيني ماذا ؟ ! قال : ذمّة الله ، وذمّة رسوله ، وذمّة أبي بكر ، وذمّة خالد بن الوليد . .
فأقبل مالك ، وأعطاه بيديه ، وعلى خالد تلك العزمة من أبي بكر .
قال : يا مالك ! إني قاتلك . قال : لا تقتلني ، قال : لا أستطيع غير ذلك ، قال : فأت ما لا تستطيع إلاّ إياه ! فقدّمه إلى الناس ، فتهيّبوا قتله ، وقال المهاجرون : أنقتل رجلاً مسلماً ؟ ! غير ضرار بن الأزور الأسدي من بني كوز فإنه قام بقتله .
فقال متمم بن نويرة - يذكر غدره بمالك - :
نعم القتيل إذا الرياح تحدبت * فوق الكنيف قتيلك [ يا ] ابن الأزور
أدعوته بالله ثم قتلته * لو هو دعاك بذمّة لم يغدر
ولنعم حشو الدرع يوم لقائه * ولنعم مأوى الطارق المتنور
لا يلبس الفحشاء تحت ثيابه * صعب مقادته عفيف المئزر
فلمّا فرغ خالد منه أقبل المنهال بن عصمة الرياحي في ناس من بني رياح يدفنون قتلى بني ثعلبة وبني غدانة ، ومع المنهال بردان من يمنة ، فكانوا إذا مرّوا على رجل يعرفونه قالوا : كفّن هذا يا منهال فيهما ، فيقول : لا حتّى أكفن فيهما الجفول مالكاً ، وهو الكثير الشعر ، وكان يلقّب بذلك لكثرة شَعره ، وذلك في يوم شديد الريح فجعلوا لا يقدرون على ذلك ، ثم رفعت الريح شَعره .
انظر : خزانة الأدب 2 / 23 - 26 .
وذكر البغدادي - أيضاً بعد هذه الأبيات لمتمم أخي مالك - :
لعمري وما دهري بتأبين مالك * ولا جزع ممّا أصاب فأوجعا
لقد كفن المنهال تحت ردائه * فتى غير مبطان العشيات أروعا
ألم يأت أخبار المحل سراتنا * فيغضب منها كل من كان موجعا
قال : المحل : رجل من بني ثعلبة مرّ بمالك مقتولاً ، فنعاه كأنّه شامت ، فذمّه متمم .
وأخذ خالد بن الوليد ليلى بنت سنان - امرأة مالك - وابنها جراد بن مالك ، فأقدمهما المدينة ، ودخلها وقد غرز سهمين في عمامته ، فكأنّ عمر غضب حين رأى السهمين ، فقام فأتى علياً ، فقال : إن في حق الله أن يقاد هذا بمالك ، قتل رجلاً مسلماً ، ثم نزا على امرأته كما ينزو الحمار .
ثم قاما فأتيا طلحة ، فتتابعوا على ذلك ، فقال أبو بكر : سيف سلّه الله لا أكون أول من أغمده ، أكل أمره إلى الله .
فلمّا قام عمر بالأمر وفد عليه متمّم فاستعداه على خالد ، فقال : لا أردّ شيئاً صنعه أبو بكر ، فقال متمم : قد كنت تزعم أن لو كنت مكان أبي بكر أقدته به ، فقال عمر : لو كنت ذلك اليوم بمكاني اليوم لفعلت ، ولكني لا أردّ شيئا أمضاه أبو بكر . . وردّ عليه ليلى وابنها جراد . انظر : خزانة الأدب 2 / 26 .
وقال اليعقوبي :
وكتب إلى خالد بن الوليد : أن ينكفئ إلى مالك بن نويرة اليربوعي . . فسار إليهم ، وقيل إنه كان ندأهم ، فأتاه مالك بن نويرة يناظره ، واتبعته امرأته ، فلمّا رآها خالد أعجبته ، فقال : والله لا نلت ما في مثابتك حتّى أقتلك . . فنظر مالكاً ، فضرب عنقه ، وتزوّج امرأته ، فلحق أبو قتادة بأبي بكر ، فأخبره الخبر ، وحلف ألاّ يسير تحت لواء خالد ; لأنه قتل مالكاً مسلماً . فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر : يا خليفة رسول الله ! إن خالداً قتل رجلاً مسلماً ، وتزوّج امرأته من يومها . فكتب أبو بكر إلى خالد ، فأشخصه ، فقال : يا خليفة رسول الله ! إني تأوّلتُ ، وأصبتُ ، وأخطأتُ .
وكان متمم بن نويرة شاعراً ، فرثى أخاه بمراث كثيرة ، ولحق بالمدينة إلى أبي بكر ، فصلّى خلف أبي بكر صلاة الصبح ، فلمّا فرغ أبو بكر من صلاته قام متمم فاتكأ على قوسه .
ثم قال :
نعم القتيل إذا الرياح تناوحت * خلف البيوت قتلت يا ابن الأزور
أدعوته بالله ثم غدرته * لو هو دعاك بذمة لم يغدر
فقال : ما دعوته ولا غدرت به .
راجع : تاريخ اليعقوبي 2 / 132 - 131 .
ونقل الأبيات الهيثمي في مجمع الزوائد 6 / 221 - 222 .
ثم قال : رواه الطبراني ورجاله ثقات .
وقال ابن أعثم الكوفي :
. . ثم ضرب خالد عسكره بأرض بني تميم ، وبثّ السرايا في البلاد يمنةً ويسرةً .
قال : فوقعت سرية من تلك السرايا على مالك بن نويرة ، فإذا هو في حائط له ، ومعه امرأته وجماعة من بني عمّه ، قال : فلم يرع مالك إلا والخيل قد أحدقت به ، فأخذوه أسيراً ، وأخذوا امرأته معه ، وكانت بها مسحة من جمال . قال : وأخذوا كل من كان من بني عمه ، فأتوا بهم إلى خالد بن الوليد حتّى أوقفوا بين يديه . قال : فأمر خالد بضرب أعناق بني عمّه بديا . قال : فقال القوم : إنا مسلمون فعلى ماذا تأمر بقتلنا ؟ ! قال خالد : والله لأقتلنّكم .
فقال له شيخ منهم : أليس قد نهاكم أبو بكر أن تقتلوا من صلّى للقبلة ؟ فقال خالد : بلى قد أمرنا بذلك ، ولكنّكم لم تصلّوا ساعة قط ، قال : فوثب أبو قتادة إلى خالد بن الوليد ، فقال : أشهد أنك لا سبيل لك عليهم ، قال خالد : وكيف ذلك ؟ قال : لأني كنت في السرية التي قد وافتهم فلمّا نظروا إلينا قالوا : من أين أنتم ؟ قلنا : نحن المسلمون ، فقالوا : ونحن المسلمون ، ثم أذّنّا وصلّينا فصلّوا معنا ، فقال خالد : صدقت يا أبا قتادة إن كانوا قد صلّوا معكم فقد منعوا الزكاة التي تجب عليهم ولا بد من قتلهم .
قال : فرفع شيخ منهم صوته وتكلّم فلم يلتفت خالد إليه وإلى مقالته ، فقدّمهم ، فضرب أعناقهم عن آخرهم . قال : وكان أبو قتادة قد عاهد الله أنه لا يشهد مع خالد بن الوليد مشهداً أبداً بعد ذلك اليوم .
قال : ثم قدّم خالدٌ مالكَ بن نويرة ليضرب عنقه ، فقال مالك : أتقتلني وأنا مسلم أُصلّي إلى القبلة ؟ ! فقال له خالد : لو كنت مسلماً لما منعت الزكاة ، ولا أمرت قومك بمنعها ، والله ! ما نلت ما في مثابتك حتّى أقتلك .
قال : فالتفت مالك بن نويرة إلى امرأته ، فنظر إليها ، ثم قال : يا خالد ! بهذه قتلتني ؟ فقال خالد : بل الله قتلك برجوعك عن دين الإسلام ، وجفلك لإبل الصدقة ، وأمرك لقومك بحبس ما يجب عليهم من زكاة أموالهم .
قال : ثم قدّمه خالد فضرب عنقه صبراً ، فيقال : إن خالد بن الوليد تزوّج بامرأة مالك ودخل بها ، وعلى ذلك أجمع أهل العلم . لاحظ : كتاب الفتوح 1 / 19 - 20 ] .