تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والْجَرادَ والْقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ ، آياتٍ مُفَصَّلاتٍ ، فَاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ . . « 1 » . ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بعد أن نزل بهم العذاب ، فقال : * ( وقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ ) * . وجمهور المفسرين على أن قولهم هذا ، كان على سبيل التعظيم لموسى - عليه السلام - لأنهم كانوا يوقرون السحرة ، ويعتبرونهم العلماء . قال ابن كثير : قوله * ( يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ) * أي : العالم . . . وكان علماء زمانهم هم السحرة ، ولم يكن السحر عندهم في زمانهم مذموما ، فليس هذا منهم على سبيل الانتقاص ، لأن الحال حال ضرورة منهم إليه ، فهي تقتضي تعظيمهم لموسى - عليه السلام - . . . « 2 » . وما في قوله : * ( بِما عَهِدَ عِنْدَكَ ) * مصدرية : أي : بعهده عندك ، والمراد بهذا العهد : النبوة . وسميت عهدا ، لأن اللَّه - تعالى - عاهد نبيه أن يكرمه بها ، أو لأن لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد . وقوله : * ( إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ ) * مرتب على كلام محذوف . أي : وحين أخذنا فرعون وقومه بالعذاب ، قالوا لموسى - على سبيل التذلل والتعظيم من شأنه - يا أيها الساحر الذي غلبنا بسحره وعلمه ، ادع لنا ربك بحق عهده إليك بالنبوة ، لئن كشف عنا ربك هذا العذاب الذي نزل بنا * ( إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ ) * أي إننا لمؤمنون ثابتون على ذلك ، متبعون لك في كل ما تأمرنا به أو تنهانا عنه . فدعا موسى - عليه السلام - ربه أن يكشف عنهم العذاب ، فأجاب اللَّه دعوته بأن كشف عنهم ، فماذا كانت النتيجة ؟ كانت النتيجة أنهم نقضوا عهودهم ، واستمروا على كفرهم ، كما قال - تعالى - : * ( فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ ) * أي : فحين كشفنا عنهم العذاب الذي حل بهم * ( إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ) * أي : إذا هم ينقضون عهدهم بالإيمان فلا يؤمنون . يقال : نكث فلان عهده ونقضه ، إذا لم يف به . ومن سوء أدبهم أنهم قالوا : ادع لنا ربك ، فكأن اللَّه - تعالى - رب موسى وحده ، وليس ربا لهم . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ولَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا
هامش
( 1 ) سورة الأعراف الآية 133 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 207 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 87 | سيد محمد طنطاوي