تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
إلى فرعون وملئه بآياتنا الدالة على قدرتنا ، سارعوا إلى الضحك منها ، والسخرية بها ، بدون تأمل أو تدبر ، شأن المغرورين الجهلاء . فقوله - تعالى - : * ( إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ ) * جواب * ( فَلَمَّا ) * والتعبير يشير إلى مسارعتهم إلى السخرية والاستخفاف بالآيات التي جاء بها موسى - عليه السلام - ، مع أن هذه الآيات كانت تقتضي منهم التدبر والتفكر لو كانوا يعقلون . وقوله - سبحانه - : * ( وما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها . . . ) * بيان لقسوة قلوبهم ، وعدم تأثرها بالآيات والمعجزات . أي : وما نريهم من آية دالة على صدق نبينا موسى ، إلا وتكون هذه الآية أكبر من أختها السابقة عليها ، في الدلالة على ذلك ، مع كون الآية السابقة عظيمة وكبيرة في ذاتها . والمقصود بالجملة الكريمة ، بيان أن هؤلاء القوم لم يأتهم موسى - عليه السلام - بآية واحدة تشهد بصدقه فيما جاءهم به من عند ربه ، وإنما أتاهم بمعجزات متعددة ، وكل معجزة أدل على صدقه مما قبلها . ويصح أن يكون المراد وصف الجميع بالكبر ، على معنى أن كل واحدة لكمالها في ذاتها ، إذا نظر إليها الناظر ، ظنها أكبر من البواقي لاستقلالها بإفادة الغرض الذي جاءت من أجله . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : والغرض بهذا الكلام ، أنهن موصوفات بالكبر ، لا يكدن يتفاوتن فيه ، وكذلك العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل . وتتفاوت منازلها فيه التفاوت اليسير ، أن تختلف آراء الناس في تفضيلها ، فيفضل بعضهم هذا ، وبعضهم ذاك ، فعلى ذلك بنى الناس كلامهم فقالوا : رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض ، وربما اختلفت آراء الرجل الواحد فيها ، فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك ، ومنه بيت الحماسة : من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسرى بها الساري « 1 » وقوله - تعالى - : * ( وأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * بيان للمصير السيئ الذي آلوا إليه . أي : وأخذناهم بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصي ، بالعذاب الدنيوي الشديد لكي يرجعوا عما هم عليه من كفر وفسوق ، ولكنهم لم يرجعوا . فالمراد بالعذاب هنا العذاب الدنيوي ، الذي أشار إليه - سبحانه - بقوله :
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 255 .