تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
أي : ومن آياته - سبحانه - الدالة على كمال قدرته ، هذه السفن الجارية في البحر ، حتى لكأنها من ضخامتها وعظمها الجبال الشاهقة . * ( إِنْ يَشَأْ ) * - سبحانه - * ( يُسْكِنِ الرِّيحَ ) * التي بسببها تجرى السفن في البحار * ( فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِه ) * أي : فيصرن ثوابت على ظهر البحر لا يجرين . يقال : ركد الماء ركودا - من باب قعد - إذا سكن ، فهو راكد . وكل شيء ثابت في مكانه فهو راكد . * ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) * الذي ذكرناه لكم من السفن المسخرة في البحر بأمره - تعالى - * ( لآياتٍ ) * عظيمات * ( لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) * أي : لكل إنسان قد تحلى بصفتي الصبر والشكر للَّه - تعالى - ، حتى صارتا هاتان الصفتان سجية من سجاياه . . * ( أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا ) * أي أو يهلكهن ويغرقهن بسبب ما اكتسبه الراكبون في هذه السفن من ذنوب وخطايا . يقال : أوبق فلان فلانا إذا حبسه أو أهلكه . ووبق فلان - كوعد ووجل ، وبوقا إذا هلك . وهو معطوف على قوله « يسكن » وكذلك قوله « ويعفو » . أي : إن يشأ - سبحانه - يسكن الريح فتظل السفن ساكنة على ظهر البحر ، أو إن يشأ يرسل الريح عاصفة بتلك السفن بمن فيها ، أو إن يشأ ينج ناسا بالعفو عنهم . قال صاحب الكشاف : « يوبقهن » يهلكهن . والمعنى : أنه إن يشأ يبتلى المسافرين في البحر بإحدى بليتين : إما أن يسكن الريح فيركد الجواري على ظهر البحر ، ويمنعهن من الجري ، وإما أن يرسل الريح عاصفة فيهلكن إغراقا بسبب ما كسبوا من الذنوب * ( ويَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ ) * منها . فإن قلت : علام عطف « يوبقهن » قلت : على « يسكن » لأن المعنى : إن يشأ يسكن الريح فيركدن ، أو يعصفها فيغرقن بعصفها . فإن قلت : فما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جزم جزمه ؟ قلت : معناه : أو إن يشأ يهلك ناسا وينج ناسا على طريق العفو عنهم . فإن قلت : فمن قرأ « ويعفو » ؟ قلت : قد استأنف الكلام » « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن علمه شامل لكل شيء فقال : * ( ويَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ) * والمحيص : المهرب والمنجى من العذاب . يقال : حاص فلان عن الشيء ، إذا حاول الفرار منه .
هامش
( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 227 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 39 | سيد محمد طنطاوي