ثم بين - سبحانه - أن ما يصيب الناس من بلاء إنما هو بسبب أعمالهم فقال : * ( وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) * .
أي : وما أصابكم - أيها الناس - من بلاء ، كمرض وخوف وفقر فإنما هو بسبب ما اكتسبتموه من ذنوب ، وما اقترفتموه من خطايا ، ويعفو - سبحانه - عن كثير من السيئات التي ارتكبتموها ، فلا يحاسبكم عليها رحمة منه بكم .
قال - تعالى - ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّه النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ . . « 1 » .
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث والآثار منها ما رواه ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب - رضى اللَّه عنه - قال : ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب اللَّه ، وحدثنا بها رسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال :
* ( وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) * وسأفسرها لك يا علي : ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا ، فبما كسبت أيديكم ، واللَّه - تعالى - أحلم من أن يثنى عليه العقوبة في الآخرة ، وما عفا اللَّه عنه في الدنيا فاللَّه أكرم من أن يعود بعد عفوه » « 2 » .
ثم حذر - سبحانه - الناس من عقابه فقال : * ( وما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ ، وما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه مِنْ وَلِيٍّ ولا نَصِيرٍ ) * .
أي : وما أنتم - أيها الناس - بقادرين على الهرب منا في أي مكان من الأرض أو في غيرها ، لأن قدرتنا لا يعجزها أن تأتى بكم من أي مكان كنتم فيه ، وليس لكم غير اللَّه - تعالى - من ولى يتولى أموركم ، أو نصير يدفع عنكم عذابه .
قال - تعالى - : ما يَفْتَحِ اللَّه لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها ، وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَه مِنْ بَعْدِه وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من دلائل قدرته عن طريق ما يشاهده الناس في البحر ، فقال - تعالى - : * ( ومِنْ آياتِه الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ ) * .
والجوار : جمع جارية والمراد بها السفينة لأنها تجرى في البحر ، وهي صفة لموصوف محذوف .
والأعلام : جمع علم وهو الجبل الكبير ، وأصله الأثر الذي يعلم به الشيء كعلم الطريق ، وعلم الجيش ، وسمى علما لأن الناس يسترشدون به في سيرهم .
هامش
( 1 ) سورة فاطر الآية 45 .
( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 3 ص 195 .