تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 36

مساهمون:

ص٣٦
وقوله : * ( ولكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ ) * بيان لما اقتضته حكمته - تعالى - أي : أن حكمته - تعالى - قد اقتضت عدم التوسعة في الرزق لجميع عباده ، لأن هذه التوسعة تحملهم على التكبر والغرور والبطر ، لذا أنزل اللَّه - تعالى - لهم الرزق بتقدير محدد اقتضته حكمته ومشيئته ، كما قال - سبحانه - : وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُه وما نُنَزِّلُه إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . وقوله - تعالى - : * ( إِنَّه بِعِبادِه خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) * تعليل لتنزيله الرزق على عباده بتقدير وتحديد دقيق . أي : فعل ما فعل - سبحانه - من إنزال الرزق على عباده بقدر ، لأنه - تعالى - خبير بخفايا أحوال عباده ، وبطوايا نفوسهم ، بصير بما يقولونه وبما يفعلونه . قال صاحب الكشاف : أي أنه - تعالى - يعلم ما يؤول إليه حالهم ، فيقدر لهم ما هو أصلح لهم ، وأقرب إلى جمع شملهم ، فيفقر ويغنى ، ويمنع ويعطى ، ويقبض ويبسط ، كما توجبه الحكمة الربانية ، ولو أغناهم جميعا لبغوا ، ولو أفقرهم لهلكوا . ولا شبهة في أن البغي مع الفقر أقل ، ومع البسط أكثر وأغلب ، وكلاهما سبب ظاهر للإقدام على البغي والإحجام عنه ، فلو عم البسط ، لغلب البغي حتى ينقلب الأمر إلى عكس ما هو عليه الآن « 1 » . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده ، وكلها تدل على وحدانيته وكمال قدرته فقال - تعالى - : * ( وهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا ) * . أي : وهو - سبحانه - الذي ينزل المطر على عباده ، من بعد أن انتظروه فترة طويلة حتى ظهرت على ملامحهم علامات اليأس ، وبدأت على وجوههم أمارات القنوط . وقوله - تعالى - : * ( ويَنْشُرُ رَحْمَتَه ) * معطوف على * ( يُنَزِّلُ ) * . أي : ينزل الأمطار بعد يأس الناس من نزولها ، وينشر رحمته عليهم عن طريق ما ينتج عن هذه الأمطار من خيرات وبركات وأرزاق . * ( وهُوَ ) * - سبحانه - * ( الْوَلِيُّ ) * أي : الذي يتولى عباده برحمته وإحسانه * ( الْحَمِيدُ ) * أي : المحمود على فعله ، حيث أنزل على عباده الغيث بعد أن يئسوا منه ، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يراها تصور جانبا من فضل اللَّه على عباده بطريقة محسوسة ، فالتعبير بالغيث يشعر بالغوث والنجدة بعد أن فقد الناس الأمل في ذلك ، والتعبير بالقنوط
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 224 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 36 | سيد محمد طنطاوي