تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
* ( أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ . . ) * تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض غيره على أفظع وجه وأفحشه . وفيه مبالغات شتى : منها الاستفهام الذي معناه التقرير ، ومنها : جعل ما هو الغاية في الكراهة موصولا بالمحبة ، ومنها : إسناد الفعل إلى أحدكم ، والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك ، ومنها : أنه - سبحانه - لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان ، وإنما جعله أخا ، ومنها : أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ وإنما جعله ميتا . . وانتصب « ميتا » على الحال من اللحم أو من الأخ . . . وقوله : * ( فَكَرِهْتُمُوه ) * فيه معنى الشرط . أي : إن صح هذا فقد كرهتموه - فلا تفعلوه - وهي الفاء الفصيحة « 1 » . والحق أن المتأمل في هذه الآية الكريمة يراها قد نفرت من الغيبة بأبلغ أسلوب وأحكمه ، لأنها من الكبائر والقبائح التي تؤدى إلى تمزق شمل المسلمين ، وإيقاد نار الكراهية في الصدور . قال الآلوسي ما ملخصه : وقد أخرج العلماء أشياء لا يكون لها حكم الغيبة ، وتنحصر في ستة أسباب : الأول : التظلم ، إذ من حق المظلوم أن يشكو ظالمه إلى من تتوسم فيه إزالة هذا الظلم . الثاني : الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته . الثالث : الاستفتاء ، إذ يجوز للمستفتى أن يقول للمفتي : ظلمني فلان بكذا . . الرابع : تحذير المسلمين من الشر ، كتجريح الشهود والرواة والمتصدين للإفتاء بغير علم . الخامس : المجاهرون بالمعاصي وبارتكاب المنكرات ، فإنه يجوز ذكرهم بما تجاهروا به . . السادس : التعريف باللقب الذي لا يقصد به الإساءة كالأعمش والأعرج « 2 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بدعوة المؤمنين إلى التوبة والإنابة فقال : * ( واتَّقُوا اللَّه إِنَّ اللَّه تَوَّابٌ رَحِيمٌ ) * . أي : واتقوا اللَّه - أيها المؤمنون - بأن تصونوا أنفسكم عن كل ما أمركم - سبحانه - باجتنابه ، إن اللَّه - تعالى - كثير القبول لتوبة عباده ، الذين يتوبون من قريب ، ويرجعون إلى طاعته رجوعا مصحوبا بالندم على ما فرط منهم من ذنوب ، ومقرونا بالعزم على عدم العودة إلى تلك الذنوب لا في الحال ولا في الاستقبال ، ومستوفيا لكل ما تستلزمه التوبة الصادقة من شروط .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 373 . ( 2 ) راجع تفسير الآلوسي ج 26 ص 161 .