تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
من أن « من الحزم سوء الظن . . » « 1 » . أي : يا من آمنتم باللَّه - تعالى - إيمانا حقا ، ابتعدوا ابتعادا تاما عن الظنون السيئة بأهل الخير من المؤمنين ، لأن هذه الظنون السيئة التي لا تستند إلى دليل أو أمارة صحيحة إنما هي مجرد تهم ، تؤدى إلى تولد الشكوك والمفاسد . . فيما بينكم . . وجاء - سبحانه - بلفظ « كثيرا » منكرا لكي يحتاط المسلم في ظنونه ، فيبتعد عما هو محرم منها ، ولا يقدم إلا على ما هو واجب أو مباح منها - كما سبق أن أشرنا - . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) * تعليل للأمر باجتناب الظن . والإثم : الذنب الذي يستحق فاعله العقوبة عليه . يقال : أثم فلان - كعلم - يأثم إثما فهو آثم إذا ارتكب ذنبا . والمراد بهذا البعض المذموم من الظن ما عبر عنه - سبحانه - قبل ذلك بقوله : * ( اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ ) * . أي : إن الكثير من الظنون يؤدى بكم إلى الوقوع في الذنوب والآثام فابتعدوا عنه . قال ابن كثير : ينهى اللَّه عباده المؤمنين عن كثير من الظن ، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله ، لأن بعض ذلك يكون إثما محضا ، فليجتنب كثيرا منه احتياطا . . عن حارثة بن النعمان قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : ثلاث لازمات لأمتي : « الطيرة والحسد وسوء الظن » : فقال رجل : ما الذي يذهبن يا رسول اللَّه من هن فيه ؟ قال : « إذا حسدت فاستغفر اللَّه ، وإذا ظننت فلا تحقق ، وإذا تطيرت فامض » « 2 » . وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب قال : كتب إلى بعض إخواني من أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن ضع أمر أخيك على أحسنه ، ما لم يأتك ما يغلبك ، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا ، ومن عرض نفسه للتهم فلا يلومن إلا نفسه . . . « 3 » . وقوله - سبحانه - : * ( ولا تَجَسَّسُوا ) * أي : خذوا ما ظهر من أحوال الناس ولا تبحثوا عن بواطنهم أو أسرارهم . أو عوراتهم ومعايبهم ، فإن من تتبع عورات الناس فضحه اللَّه - تعالى - .
هامش
( 1 ) تفسير آيات الأحكام ج 4 ص 92 لفضيلة الشيخ محمد على السائس . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 357 . ( 3 ) تفسير الآلوسي ج 26 ص 156 .