تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
فالتجسس مأخوذ من الجس ، وهو البحث عما خفى من أمور الناس ، وقرأ الحس وأبو رجاء : ولا تحسسوا من الحس ، وهما بمعنى واحد . وقيل هما متغايران التجسس - بالجيم - معرفة الظاهر ، وأن التحسس - بالحاء - تتبع البواطن وقيل بالعكس . . وعلى أية حال فالمراد هنا من التجسس والتحسس : النهى عن تتبع عورات المسلمين ، أخرج أبو داود وغيره عن أبي برزة الأسلمي قال : خطبنا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه . لا تتبعوا عورات المسلمين ، فإن من تتبع عورات المسلمين ، فضحه اللَّه - تعالى - في قعر بيته » . وعن معاوية بن أبي سفيان قال : سمعت النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يقول : « إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم » « 1 » . ثم نهى - سبحانه - بعد ذلك عن الغيبة فقال : * ( ولا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ) * والغيبة - بكسر الغين - أن تذكر غيرك في غيابه بما يسوءه يقال : اغتاب فلان فلانا ، إذا ذكره بسوء في غيبته ، سواء أكان هذا الذكر بصريح اللفظ أم بالكناية ، أم بالإشارة ، أم بغير ذلك . روى أبو داود وغيره عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « أتدرون ما الغيبة ؟ قالوا : اللَّه ورسوله أعلم . قال : ذكرك أخاك بما يكره . قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه « 2 » . ثم ساق - سبحانه - تشبيها ينفر من الغيبة أكمل تنفير فقال : * ( أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيه مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوه ) * . والاستفهام للتقرير لأنه من الأمور المسلمة أن كل إنسان يكره أكل لحم أخيه حيا ، فضلا عن أكله ميتا . والضمير في قوله : * ( فَكَرِهْتُمُوه ) * يعود على الأكل المفهوم من قوله * ( يَأْكُلَ ) * و * ( مَيْتاً ) * حال من اللحم أو من الأخ . أي : اجتنبوا أن تذكروا غيركم بسوء في غيبته ، فإن مثل من يغتاب أخاه المسلم كمثل من يأكل لحمه وهو ميت ، ولا شك أن كل عاقل يكره ذلك وينفر منه أشد النفور . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الجملة : قوله - تعالى - : * ( أَيُحِبُّ ) *
هامش
( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 357 . ( 2 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 359 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 316 | سيد محمد طنطاوي