تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
والعنت : الوقوع في الأمر الشاق المؤلم ، يقال : عنت فلان - بزنة فرح - إذا وقع في أمر يؤدى إلى هلاكه أو تعبه أو إيذائه . ويفهم من الآية الكريمة أن بعض المسلمين ، صدقوا الوليد بن عقبة ، وأشاروا على الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يعجل بعقاب بنى المصطلق . والمراد بطاعة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لهم : أخذه برأيهم ، وتنفيذه لما يريدونه منه . والمراد بالكثير من الأمر : الكثير من الأخبار والأحكام التي يريدون تنفيذها حتى ولو كانت على غير ما تقتضيه المصلحة والحكمة . أي : واعلموا - أيها المؤمنون - أن فيكم رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذي أرسله - سبحانه - لكي يهديكم إلى الحق وإلى الطريق القويم . . وهو - عليه الصلاة والسلام - لو يطيعكم في كثير من الأخبار التي يسمعها منكم ، وفي الأحكام التي تحبون تطبيقها عليكم أو على غيركم . . لو يطيعكم في كل ذلك لأصابكم العنت والمشقة ، ولنزل بكم ما قد يؤدى إلى هلاككم وإتلاف أموركم . قال الآلوسي ما ملخصه : وقوله : * ( واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّه ) * عطف على ما قبله ، و « أن » بما في حيزها ساد مسد مفعولي « اعلموا » باعتبار ما قيد به من الحال ، وهو قوله : * ( لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) * . وتقديم خبر « أنّ » للحصر المستتبع زيادة التوبيخ ، وصيغة المضارع للاستمرار . و * ( لَوْ ) * لامتناع استمرار طاعته - عليه الصلاة والسلام - لهم في كثير مما يعن لهم من الأمور . وفي الكلام إشعار بأنهم زينوا للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الإيقاع ببني المصطلق . وفي هذا التعبير مبالغات منها : إيثار « لو » ليدل على الفرض والتقدير . ومنها : ما في العدول إلى المضارع من تصوير ما كانوا عليه ، وتهجينه . ومنها : ما في التعبير بالعنت من الدلالة على أشد المحذور ، فإنه الكسر بعد الجبر ، والرمز الخفي على أنه ليس بأول بادرة منهم « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ولكِنَّ اللَّه حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمانَ وزَيَّنَه فِي قُلُوبِكُمْ وكَرَّه إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ والْفُسُوقَ والْعِصْيانَ ) * استدراك على ما يقتضيه الكلام السابق ، وبيان لمظاهر فضله عليهم ورحمته - سبحانه - بهم . أي : ولكنه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم لا يطيعكم في كل ما يعن لكم ، وإنما يتبين
هامش
( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 26 ص 148 .