تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
مداخل الأمور ، وما يترتب عليها من نتائج ، ويحكم عقله فيما يسمع من أنباء ، فلا يصدق خبر الفاسق إلا بعد التثبت من صحته . قال صاحب الكشاف : وفي تنكير الفاسق والنبأ : شياع في الفساق والأنباء ، كأنه قال : أي فاسق جاءكم بأي نبأ فتوقفوا فيه ، وتطلبوا بيان الأمر ، وانكشاف الحقيقة ولا تعتمدوا على قول الفاسق ، لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه « 1 » . وقال القرطبي : وفي الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا ، لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق ، ومن ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا ، لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها « 2 » . وقوله : * ( أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ ) * . . . تعليل للأمر بالتبين ، بتقدير لام التعليل ، أو بتقدير ما هو بمعنى المفعول لأجله . والجهالة بمعنى الجهل بحقيقة الشيء . أي : تثبتوا - أيها المؤمنون - من صحة خبر الفاسق ، لئلا تصيبوا قوما بما يؤذيهم ، والحال أنكم تجهلون حقيقة أمرهم ، أو خشية أن تصيبوا قوما بجهالة ، لظنكم أن النبأ الذي جاء به الفاسق حقا . وقوله : * ( فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ ) * بيان للنتائج السيئة التي تترتب على تصديق خبر الفاسق ، و * ( فَتُصْبِحُوا ) * بمعنى تصيروا ، والندم : غم يلحق الإنسان لأمور وقعت منه ، ثم صار يتمنى بعد فوات الأوان عدم وقوعها . أي : فتصيروا على ما فعلتم مع هؤلاء القوم نادمين ندما شديدا ، بسبب تصديقكم لخبر الفاسق بدون تبين أو تثبت . فالآية الكريمة ترشد المؤمنين في كل زمان ومكان إلى كيفية استقبال الأخبار استقبالا سليما ، وإلى كيفية التصرف معها تصرفا حكيما ، فتأمرهم بضرورة التثبت من صحة مصدرها ، حتى لا يصاب قوم بما يؤذيهم بسبب تصديق الفاسق في خبره ، بدون تأكد أو تحقق من صحة ما قاله . . وبهذا التحقق من صحة الأخبار ، يعيش المجتمع الإسلامي في أمان واطمئنان ، وفي بعد عن الندم والتحسر على ما صدر منه من أحكام . ثم أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى جانب من نعمه عليهم ، ورحمته بهم فقال : * ( واعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّه ، لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) * .
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 360 . ( 2 ) راجع تفسير القرطبي ج 16 ص 312 .