تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
ثم لقن اللَّه - تعالى - نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الرد الذي يخرسهم فقال : * ( قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّه مِنْ قَبْلُ . . . ) * أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المخلفين - على سبيل الإقناط والتيئيس والزجر - لا تتبعونا ونحن متجهون إلى خيبر لفتحها . فالنفي في قوله * ( لَنْ تَتَّبِعُونا ) * بمعنى النهى للمبالغة في منعهم من الخروج مع المؤمنين إلى خيبر . وقوله : * ( كَذلِكُمْ قالَ اللَّه مِنْ قَبْلُ ) * أي : مثل هذا النهى الصادر منى قد قاله اللَّه - تعالى - من قبل رجوعنا من الحديبية ، فقد أمرني بمنعكم من الخروج معي إلى خيبر ، وبحرمانكم من غنائمها ، عقابا لكم على معصيتكم لي ، وعلى سوء ظنكم بي وبأصحابى . . ثم حكى - سبحانه - ما سيقوله هؤلاء المنافقون بعد مجابهتهم بتلك الحقيقة فقال : * ( فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا ، بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) * . أي : فسيقولون لك - أيها الرسول الكريم - بعد منعك إياهم من الخروج معكم إلى خيبر ، وبعد أن ذكرت لهم حكم اللَّه فيهم . . سيقولون لك على سبيل السفاهة وسوء الأدب : أنتم أيها المؤمنون تريدون بسبب هذا المنع من الخروج معكم إلى خيبر ، أن تحسدونا وتمنعونا حقنا في الغنيمة ، واللَّه - تعالى - لم يأمركم بمنعنا ، وإنما أنتم الذين فعلتموه حسدا لنا . وقوله : * ( بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) * إضراب عن قولهم هذا على سبيل التسلية للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أي : ليس الحق كما زعموا ، بل الحق أنهم قوم دأبهم الحمق والجهالة ، ولا يفقهون من أمور الدين إلا فقها قليلا ، لا يسمن ولا يغنى من جوع . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما الفرق بين حرفى الإضراب ؟ قلت : الأول إضراب معناه : رد أن يكون حكم اللَّه أن لا يتبعوهم وإثبات الحسد . والثاني : إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين ، إلى وصفهم بما هو أطم منه ، وهو الجهل وقلة الفقه . . « 1 » . ثم فتح - سبحانه - أمام هؤلاء المخلفين من الأعراب باب التوبة ، فأمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يدعوهم إلى الجهاد معه ، فإن صدقوا أفلحوا ، وإن أعرضوا خسروا فقال : * ( قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ، تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المخلفين من الأعراب عن الخروج معك ، ستدعون في المستقبل إلى القتال معي لقوم أصحاب قوة وشدة في الحرب ، فيكون بينكم وبينهم أمران لا ثالث لهما : إما قتالكم لهم ، وإما الإسلام منهم . « فأو » في قوله * ( أَوْ يُسْلِمُونَ ) * للتنويع والحصر . وجملة « تقاتلونهم أو يسلمون »
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 328 .