تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
ثم أضرب - سبحانه - عن ذلك وقال : * ( بَلْ كانَ اللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) * أي : إن تخلفكم ليس سببه ما زعمتم ، بل الحق أن تخلفكم كان بسبب ضعف إيمانكم ، واللَّه - تعالى - مطلع على أحوالكم اطلاعا تاما ، وسيجازيكم بما تستحقون . ثم أكد - سبحانه - كذبهم بإضراب آخر عن أقوالهم فقال : * ( بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً ، وزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ ، وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً ) * والبور في الأصل : مصدر كالهلك ، يوصف به المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث . وهو هنا مستعمل بمعنى اسم الفاعل . وقيل : هو جمع بائر ، كحائل وحول . قال صاحب الكشاف والبور من بار ، كالهلك من هلك بناء ومعنى ، ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث . ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ . . « 1 » . والمعنى : ليس الأمر كما زعمتم - أيها المخلفون - من أن أموالكم وأولادكم هي التي شغلتكم عن الخروج مع رسولكم صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولكن الحق أنكم ظننتم أن العدو سيستأصل شأفة المؤمنين بالقتل والإهلاك . وأنهم لن يعودوا بعد ذلك إلى أهليهم أبدا . . وزين الشيطان هذا الظن الفاسد في قلوبكم ، ومكنه من نفوسكم فقبعتم في دياركم ، وظننتم ، في كل ما يتعلق بالرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وبأتباعه الصادقين * ( ظَنَّ السَّوْءِ ) * أي : الظن الذي كله سوء وشر ومنكر . . * ( وكُنْتُمْ ) * في علم اللَّه - تعالى - وحكمه * ( قَوْماً بُوراً ) * أي : قوما هالكين فاسدين ، لا تصلحون لشيء من الخير ، ولا تستحقون إلا الخزي والعقاب . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد ذم هؤلاء المتخلفين وفضحهم وتوعدهم بسوء المصير ، لأسباب متعددة ، منها : سوء ظنهم باللَّه - تعالى - وبرسوله ، صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقد توهموا أن الرسول والمؤمنين سيقتلون على يد أعدائهم ، وأنهم لن يعودوا إلى أهليهم أبدا . ومنها : اعتذارهم الكاذب ، بانشغالهم بأموالهم وأهليهم . . ومنها : تعمدهم الكذب . وتفوههم بالكلام الذي لا تؤيده قلوبهم . ثم ختم - سبحانه - هذا الذم والتهديد للمتخلفين بقوله : * ( ومَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّه ورَسُولِه فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً ) * . أي : ومن لم يؤمن باللَّه - تعالى - إيمانا حقا ، وبصدق الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في كل ما جاء
هامش
( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 327 .
التفسير الوسيط للقرآن الكريم — صفحة 270 | سيد محمد طنطاوي